تتبدل القواعد التي حكمت العلاقة بين السلطة النقدية والقضاء في معظم دول العالم. فالمناصب التي ارتبطت لعقود بالاستقلالية والابتعاد عن التجاذبات السياسية، لم تعد بمنأى عن التحقيقات أو الملاحقات عندما تتقاطع إدارة المال العام مع شبهات الفساد أو إساءة استخدام السلطة. ولم يعد محافظ البنك المركزي يُنظر إليه باعتباره “حارس العملة” فحسب، بل بوصفه مسؤولاً عاماً يخضع، مثل غيره، لمبدأ المساءلة وسيادة القانون.
لا يعكس هذا التحول تشدداً في مكافحة الفساد فحسب، بل يعبّر عن إعادة تعريف لمفهوم استقلالية البنك المركزي نفسه. فالاستقلالية التي وُجدت لحماية السياسة النقدية من التدخلات السياسية، لم تعد تُفسَّر باعتبارها حصانة شخصية للمحافظ أو إعفاءً من الرقابة القضائية، وإنما أصبحت مرتبطة بمعادلة أكثر صرامة: كلما اتسعت الصلاحيات، ازدادت المسؤولية، وكلما تضخمت السلطة المالية، تعاظمت الحاجة إلى المحاسبة.
نهاية الحصانة النقدية
على امتداد عقود، تمتعت المصارف المركزية بمكانة استثنائية جعلتها تبدو بعيدة عن التجاذبات السياسية والقضائية. فهي المؤسسات التي تدير احتياطيات النقد الأجنبي، وتشرف على النظام المصرفي، وتحدد أسعار الفائدة، وتكبح التضخم، وتحافظ على استقرار العملة الوطنية، وهي وظائف جعلت محافظيها من أكثر المسؤولين تأثيراً في رسم السياسات الاقتصادية.
غير أن الأزمة المالية العالمية في العام 2008 شكّلت نقطة تحول مفصلية. فقد كشفت أن الأخطاء في إدارة السياسة النقدية، أو تضارب المصالح، أو ضعف الرقابة، قد تكلّف الاقتصادات مئات مليارات الدولارات، وأن استقلالية المصرف المركزي لا يمكن أن تتحول إلى منطقة معزولة عن المساءلة.
منذ ذلك الحين، بدأت هيئات الرقابة والنيابات العامة في عدد متزايد من الدول تنظر إلى محافظي المصارف المركزية باعتبارهم مسؤولين عموميين يخضعون للقانون، لا أصحاب مناصب استثنائية تعلو على الرقابة أو تتمتع بحصانة غير مكتوبة.
من بيروت إلى أبوجا
لم يعد هذا التحول مجرد نقاش أكاديمي حول الحوكمة المالية، بل أصبح واقعاً تعكسه ملفات قضائية تمتد عبر أكثر من قارة، وتكشف أن القضاء بات يقترب من واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في الدولة.
في لبنان، تحولت قضية حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة إلى واحدة من أكثر القضايا المالية تعقيداً على المستوى الدولي، بعدما امتدت التحقيقات من بيروت إلى عدد من العواصم الأوروبية، وتقاطعت مع مذكرات توقيف ونشرات حمراء عبر الإنتربول. وتتركز الشبهات حول اختلاس أكثر من 330 مليون دولار عبر شركة “فوري فنتشرز”، إلى جانب اتهامات بتبييض الأموال من خلال شبكة واسعة من العقارات والأصول في أوروبا. كما تشمل التحقيقات ملفات مرتبطة بالهندسات المالية التي أثارت جدلاً واسعاً حول إدارة القطاع المصرفي واستنزاف جزء كبير من مقدرات الدولة.
وفي إفريقيا، لم يكن المشهد مختلفاً كثيراً. فبعد إقالة محافظ البنك المركزي النيجيري غودوين إميفيلي، فتحت هيئة الجرائم الاقتصادية والمالية تحقيقات واسعة بحقه شملت اتهامات بالفساد المالي، والطباعة غير المصرح بها للعملة المحلية، وإدارة نظام متعدد لأسعار الصرف، وهي اتهامات عكست حجم النفوذ الذي باتت تتمتع به المصارف المركزية في الاقتصادات الناشئة، وحجم المخاطر عندما تغيب الرقابة المؤسسية.
أما في أوكرانيا، فقد تجاوزت القضية حدود الجدل السياسي، بعدما أدرجت السلطات المحافظ السابق كيريلو شيفتشينكو على قوائم المطلوبين، متهمةً إياه بالضلوع في مخطط لاختلاس أكثر من خمسة ملايين دولار من بنك حكومي قبل توليه رئاسة البنك المركزي.
وفي ليبيا، وإن اختلفت الظروف بفعل الانقسام السياسي والمؤسسي، فإن مسؤولي المصرف المركزي في طرابلس وبنغازي وجدوا أنفسهم أيضاً تحت مجهر أجهزة الرقابة والنيابة العامة في ملفات تتعلق بإدارة عائدات النفط، والاحتياطيات النقدية، واعتمادات الاستيراد خلال سنوات الاضطراب.
لم تقتصر الظاهرة على هذه الدول. ففي زيمبابوي، خضع مسؤولون نقديون لتحقيقات عقب الانهيار التاريخي للعملة والمضاربة بالذهب، بينما شهدت أنغولا ملاحقات في قضايا مالية مرتبطة بتحويل مئات ملايين الدولارات إلى حسابات خارجية، في مؤشر واضح إلى أن السلطة النقدية لم تعد بمنأى عن أدوات العدالة، حتى في الدول التي كانت تمنح محافظي بنوكها المركزية مساحة واسعة من الحصانة غير المعلنة.
الخطأ ليس جريمة
في المقابل، لا تسير جميع الدول في اتجاه تجريم كل أزمة مالية. فالأنظمة المؤسسية الأكثر رسوخاً ما زالت تميز بين الفشل في إدارة السياسة النقدية وبين ارتكاب جريمة فساد أو إساءة استخدام السلطة.
في هذا السياق، انتهت أزمة حاكمة البنك المركزي التركي السابقة حافظ غاية إركان باستقالتها بعد جدل واسع حول شبهات المحاباة، من دون أن يوجه إليها القضاء أي اتهام جنائي. وفي بنغلادش، تحمّل المحافظ أتيور رحمان المسؤولية السياسية عن الاختراق الإلكتروني الذي أدى إلى سرقة 81 مليون دولار من حساب البنك المركزي لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، قبل أن تؤكد التحقيقات عدم تورطه شخصياً. أما في الهند، فعلى الرغم من الانتقادات البرلمانية الحادة التي طالت إدارة البنك المركزي خلال أزمة القروض المتعثرة، بقيت المساءلة ضمن الأطر الرقابية والتشريعية، ولم تتحول إلى ملاحقات جنائية.
ويكشف هذا التمييز عن مبدأ بات أكثر رسوخاً في الحوكمة الحديثة، وهو أن سوء التقدير الاقتصادي لا يكفي وحده لإقامة المسؤولية الجنائية، ما لم يقترن باستغلال المنصب أو تحقيق منفعة غير مشروعة أو الإخلال المتعمد بالقانون.
قواعد اللعبة الجديدة
لم يأت هذا التحول من فراغ، بل فرضته ثلاثة متغيرات هيكلية أعادت رسم العلاقة بين السلطة النقدية وأجهزة العدالة.
فقد أدت عولمة الشفافية المالية إلى تقليص فعالية السرية المصرفية التقليدية، وأصبحت حركة الأموال العابرة للحدود أكثر قابلية للتتبع بفضل تبادل المعلومات بين السلطات الرقابية، ما جعل إخفاء الثروات والأصول الخارجية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
في الوقت نفسه، شددت القوانين الدولية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب مستويات التدقيق على كبار المسؤولين، بمن فيهم محافظو المصارف المركزية، باعتبارهم من فئة “الأشخاص المنكشفين سياسياً”، وهو ما فرض رقابة أشد على مصادر الثروة والتحويلات المالية.
أما العامل الثالث، فتمثل في تصاعد الضغوط الشعبية. فعندما تنهار العملات وتتآكل المدخرات وتتراجع القدرة الشرائية، كما حدث في لبنان أو زيمبابوي، لا يكتفي الرأي العام بتفسير الأزمة باعتبارها فشلاً اقتصادياً، بل يتحول إلى المطالبة بمحاسبة من امتلكوا سلطة اتخاذ القرار النقدي، بعدما أصبحت السياسة النقدية تمس بصورة مباشرة حياة المواطنين ومستقبلهم الاقتصادي.
استقلالية بلا حصانة
يخلط كثيرون بين استقلالية البنك المركزي والحصانة الشخصية لمحافظه، على الرغم من أن التجربة الدولية باتت ترسم حدوداً واضحة بين المفهومين.
فالاستقلالية وُجدت لحماية السياسة النقدية من الضغوط الحكومية قصيرة الأجل ومنع توظيف أدوات البنك المركزي لتحقيق مكاسب سياسية أو انتخابية، لكنها لم تُصمم يوماً لتكون مظلة قانونية تحجب المساءلة إذا توافرت أدلة على ارتكاب جرائم مالية أو إساءة استخدام السلطة.
لهذا، باتت المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية، تربط بصورة متزايدة بين استقلالية المصارف المركزية وتطبيق أعلى معايير الحوكمة والشفافية. فكلما اتسعت صلاحيات المحافظ، ازدادت الحاجة إلى رقابة أكثر صرامة تضمن خضوعه للقانون، تماماً كما تضمن استقلاله عن السلطة التنفيذية.
عصر جديد للمساءلة
تكشف التجارب الممتدة من بيروت إلى أبوجا، ومن كييف إلى طرابلس الغرب، أن العالم يدخل مرحلة جديدة في إدارة المؤسسات المالية، عنوانها أن السلطة النقدية لم تعد تتمتع بالحصانة غير المعلنة التي أحاطت بها لعقود.
ولا يعني ذلك أن كل أزمة اقتصادية تتحول إلى قضية جنائية، أو أن كل فشل في إدارة السياسة النقدية يقود أصحابه إلى المحاكم. لكن الاتجاه العالمي أصبح أكثر وضوحاً من أي وقت مضى؛ فكلما اتسعت صلاحيات المسؤول النقدي، تضاعفت مسؤوليته القانونية، وكلما ازداد تأثير قراراته في حياة المواطنين، تعاظمت المطالبة بإخضاعه للمحاسبة.
لقد انتهى الزمن الذي كان يُنظر فيه إلى محافظ البنك المركزي باعتباره مسؤولاً فوق المساءلة. واليوم، لم يعد الجدل يدور حول إمكانية محاكمة “حارس النقد”، بل حول قدرة المؤسسات القضائية على ملاحقة أصحاب القرار المالي عندما تتقاطع السلطة النقدية مع شبهات الفساد واستغلال النفوذ.
وهنا تتبلور إحدى أهم قواعد الحوكمة المالية الحديثة: استقلالية القرار النقدي ضرورة لحماية الاقتصاد واستقرار الأسواق، أما سيادة القانون فهي الضمانة الوحيدة لحماية الدولة، وصون المال العام، والحفاظ على ثقة المواطنين بالمؤسسات التي تدير ثرواتهم ومستقبلهم الاقتصادي.















