مصر

سرقات (غير) أدبية

جمال بدومة
جمال بدومة

“جُلْجُل” في اللغة العربية يعني “جرس”، وقديما كانت العرب تضع “جلاجل” في أعناق الخيل والإبل، وتسير في الأسواق وهي تصدر أصواتا، ومنها اشتق التعبير المصري الشهير “فضيحة بجلاجل”. لا أدري إذا ما كانت وزيرة الثقافة المصرية السابقة جيهان زكي تعرف أصل وفصل “الجلجل”، لكن المؤكد أنها وضعت بنفسها أجراساً لقضية سطوها على كتاب سهير عبد الحميد حول الكاتبة المصرية قوت القلوب الدمرداشية، كي تدوّي في وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية وتتحول إلى “فضيحة بجلاجل”.

كان بإمكان الوزيرة أن تعترف منذ البداية بالسرقة وتخلص إلى تسوية ودية مع المؤلفة، تحفظ لها ماء الوجه والحقيبة الوزارية، لكنها اختارت الإنكار و”خرّجت عينيها” في سهير عبد الحميد، وعلى أعمدة الجرائد، وذهبت معها إلى المحكمة مرة أولى وثانية وثالثة، حتى استنفذت مراحل التقاضي وأدينت بحكم نهائي، ولم يعد أمامها من مهرب سوى تقديم الاستقالة والخروج من الباب الخلفي، تتبعها لشتائم مجلجلة! 

هي وسيد محمود، الكاتب الصحفي المتمكن، الذي قاده حظه العاثر إلى تدبيج مقدمة الكتاب المسروق، وتحول إلى ضحية جانبية لعملية السطو. اسمه وُجِد في المكان الغلط، لذلك “سحلته” آلة التشهير على وسائل التواصل الاجتماعي، واتهمه البعض بأنه “كاتب الظل” أو “الزنجي” الذي خدَم عند جيهان زكي وقوت القلوب وكوكو شانيل. هكذا وجد نفسه ضيفاً في حفلات شتائم صاخبة. موقف لا يحسد عليه. ورغم أن سيد أصدر بياناً محموداً يشرح فيه ملابسات “مقدمة ابن كلبون”، التي جرّت عليه المشاكل، وكثيرون شهدوا لفائدته وبرأوا ذمته، فإن التنمر رياضة شعبية على الشبكات الاجتماعية، والمؤامرة “عقيدة عربية”، والرصاصة إذا خرجت يستحيل إعادتها إلى مكانها الأول…

محكمة النقض اعتبرت كتاب “كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين”، لجيهان زكي سطواً على كتاب سهير عبد الحميد “اغتيال قوت القلوب الدمرداشية: سيدة القصر”، وأدانتها بالسرقة الأدبية وتعدي حقوق الملكية الفكرية، مع تغريمها 100 ألف جنيه وسحب كتابها من الأسواق… 

ليست جيهان زكي أول شخص يسطو على كتاب. تاريخ الأدب حافل بالسرقات الموصوفة. بعض الكتاب لا يكتفون بـ”لطش” الأفكار والأبحاث والكتب بل يسرقون حتى النقود والهواتف والحواسيب والساعات وكثير من الأغراض الثمينة والرخيصة. أعرف كاتباً عربياً ضُبِطَ في أحد المهرجانات وهو يغادر الفندق وفي حقيبته كل مناشف الغرفة، ولم يسمح له أصحاب “الأوتيل” بالمغادرة إلا بعد أن ردّ المسروقات لأصحابها. “فضيحة بمناشف”. لكنه استمرّ في كتابة مقالات تندد بالفساد والرشوة، كأن شيئاً لم يكن.

كما أن كثيراً من الدكاترة أصبحوا كذلك بانتحال أطروحات غيرهم. طلاب فاشلون يسطون على بحوث في الجامعات العالمية وينسبونها إلى أنفسهم، ويتبوأون المناصب والمراتب، ويكوّنون الأجيال…

قديماً، كان النقاد العرب يصنفون السرقات الأدبية إلى أنواع ويعطونها أسماء ويستحسنون بعضها. 

عندما يسطو شاعر مشهور على ما كتبه شاعر ناشئ، مثلاً، يسمون ذلك “الإغارة”، وهي سرقة محمودة (لا علاقة لها بسيد محمود) لأن الشاعر يعطي معنى وجودة وصدى أكبر لما كتبه الشاعر المغمور. 

وهناك “الانتحال” وهو أسوأ أنواع السرقة، حين ينسب الشاعر لنفسه نصوص غيره مع تغيير طفيف. ثم هناك النسخ والسلخ والاختلاس والاجتلاب والاقتباس والتضمين والتوليد والاحتذاء والمعارضة والاتباع وتوارد الخواطر… وكلها توجد مفصّلة في كتاب ممتع حول الموضوع من تأليف الناقد الراحل شوقي ضيف، قرأناه أيام كانت الحياة ثقيلة ومملة ولم يكن لدينا ما نصنعه. “السرقات الأدبية” في النهاية علم لا ينفع أو ينفع صاحبه فقط إذا لم يتم ضبطه. السرقة سرقة ولا داعي للتبرير والتفنن في التسميات !

في اللغة الفرنسية يوجد اسم لطيف لوصف اللصوص الذين يسرقون أشياء تافهة حباً في السرقة “كليبتومان”.

ومن الطرائف أن رئيس دولة كان مصاباً بـ”الكليبتوماني”، وحلّ ضيفاً على العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني، وكان الأكل الملكي في أواني فاخرة من الذهب والفضة. الرئيس/اللص أعجب بملعقة ووضعها في جيبه، وإذا بإدريس البصري، وزير داخلية الحسن الثاني وعينه التي لا تنام، يتقدم نحو الملك ويهمس في أذنه أن الضيف “لطش” ملعقة، وهي في جيبه الأيسر. ما كان من الحسن الثاني إلا أن أعلن أمام الحضور بأنه سيقدم “وصلة سحرية”، ثم أخذ ملعقة ووضعها في جيبه، وقال لهم انظروا: Abracadabra، ثم أخرج الملعقة من جيب الضيف!