عاد ملف سدّ النهضة الإثيوبي إلى واجهة السياسة الدولية مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لكن عودته لم تكن تقنية بقدر ما كانت سياسية. فمنذ تصريحاته الصادمة عام 2020 عن احتمال “تفجير السد”، وصولاً إلى رسالته في يناير 2026 التي عرض فيها استئناف الوساطة الأمريكية “بشكل نهائي وعادل”، ظلّ الرئيس الأمريكي يميل بوضوح إلى دعم الموقف المصري، مستخدماً الملف لإبراز نفسه كـ”حلال نزاعات”.
إن هذا الميل، الممزوج أحياناً بادعاءات غير دقيقة، أعاد طرح سؤال جوهري: هل يمكن للوساطة الأمريكية أن تُنهي النزاع فعلاً، أم أنها ستبقى أسيرة الخطاب السياسي؟
من وساطة واشنطن إلى تصريح “التفجير”
خلال ولايته الأولى، رعت إدارة ترامب مفاوضات واشنطن بين مصر وإثيوبيا والسودان (2019–2020)، بمشاركة وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي كمراقب. كان الهدف التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل السد، خاصة في فترات الجفاف. ورغم صياغة مسودة نهائية، امتنعت إثيوبيا عن التوقيع، معتبرة أن الصيغة تنتقص من سيادتها على مشروع تموله داخلياً.
في أكتوبر 2020، خرج ترامب عن لغة الوساطة حين قال إن مصر “قد تُضطر إلى تفجير السد” لأنها لا تستطيع العيش دون مياه النيل. التصريح، الذي نقلته وكالات دولية مثل “رويترز” و”وكالة أسوشيتد برس”، أثار غضباً واسعاً في أديس أبابا، ودفع إثيوبيا إلى استدعاء السفير الأمريكي واعتبار الكلام تحريضاً على الحرب. منذ تلك اللحظة، تضررت صورة واشنطن كوسيط محايد، رغم أن القاهرة رأت في التصريح دعماً صريحاً لمخاوفها الوجودية.
2025: ادعاء التمويل الأمريكي
بعد سنوات من الجمود، عاد ترامب في 2025 إلى الحديث عن السد بلهجة هجومية، واصفاً المشروع بأنه “أمر فظيع وغبي”، مضيفاً أن الولايات المتحدة “موّلت” بناءه. هذا الادعاء قوبل بنفي إثيوبي قاطع، كما فنّدته مراكز بحثية أمريكية معتمدة، مؤكدة أن تمويل السد اعتمد أساساً على موارد داخلية وسندات وطنية إثيوبية، مع غياب أي تمويل أمريكي مباشر.
أضعف هذا الخلط بين السياسة والوقائع مصداقية الخطاب الأمريكي، إذ منح إثيوبيا ذريعة إضافية للتشكيك في حياد أي وساطة تقودها واشنطن، حتى لو كانت تهدف نظرياً إلى تسوية عادلة.
رسالة يناير 2026: عودة الوساطة
في 16 يناير 2026، وجّه ترامب رسالة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عرض فيها استئناف الوساطة الأمريكية لحل نزاع تقاسم مياه النيل “بشكل نهائي وعادل”. الرسالة، التي نشرتها وسائل إعلام دولية، جاءت بعد إعلان إثيوبيا تدشين السد وبدء تشغيله الكامل، ما أعاد المخاوف المصرية والسودانية إلى الواجهة.
رحبت القاهرة بالعرض الأمريكي، مؤكدة أن النيل “مسألة حياة أو موت”، فيما أبدى السودان ترحيباً حذراً، مشدداً على ضرورة تنسيق التشغيل لتفادي تأثيرات مفاجئة على سدوده، خصوصاً سد الروصيرص. في المقابل، تمسكت إثيوبيا بموقفها القائل إن السد مشروع تنموي سيادي، وأن أي تفاهم يجب ألا يكون ملزماً قانونياً.
جوهر الخلاف.. لم يتغير
رغم تبدّل اللهجة الأمريكية، بقيت العقدة الأساسية على حالها. مصر تطالب باتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل، خاصة في فترات الجفاف الممتد، مع آلية واضحة لفضّ النزاعات. إثيوبيا تفضّل إرشادات غير ملزمة، وترفض أي صيغة قد تُقيّد إدارتها للسد. أما السودان، فيقف في المنتصف، مع تركيز عملي على ضمان تبادل البيانات والتنسيق اليومي لتفادي مخاطر فنية مباشرة.
آفاق الملف: بين السياسة والهندسة
تُشير قراءة واقعية لآفاق الملف إلى أن نجاح أي وساطة أمريكية يتوقف على ثلاثة عناصر:
أولاً: تحويل الزخم السياسي إلى ترتيبات تقنية واضحة لإدارة الجفاف والتشغيل طويل الأمد.
ثانياً: بناء آلية تنسيق فوري وشفاف، خاصة مع السودان، تقلل المخاطر التشغيلية.
ثالثاً: توفير ضمانات دولية لتنفيذ أي اتفاق، حتى لا يبقى حبراً على ورق.
من دون ذلك، ستبقى مبادرات ترامب أقرب إلى استعراض سياسي يعزز صورته كصانع صفقات، لا كحل جذري لأحد أخطر النزاعات المائية في إفريقيا.















