بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

تقرير تحليلي

سبتة بعد العاصفة: كيف حوّلت أزمة الثقة والبطالة في المغرب شائعةً رقمية إلى أكبر موجة عبور جماعي

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لم يكن اندفاع عشرات الآلاف من المغاربة نحو مدينة سبتة الإسبانية مجرد استجابة عشوائية لشائعة انتشرت عبر منصات التواصل، ولا يمكن اختزاله في نشاط شبكات التهريب أو ثغرة مؤقتة في الحراسة الحدودية. فما وقع بين 30 و31 يوليو/تموز المنصرم بدأ قبل ذلك بسنوات، داخل اقتصاد نما واستثمر وبنى الموانئ والطرق والمصانع، لكنه لم ينتج بالسرعة نفسها وظائف مستقرة أو مسارات صعود اجتماعي يستطيع الجيل الشاب الوثوق بها.

قدّرت وزارة الداخلية الإسبانية أن نحو 50 ألف شخص دخلوا سبتة خلال موجة العبور، بينما رفعت السلطات المحلية التقدير إلى قرابة 60 ألفاً. وبحلول مساء الجمعة، كان نحو 48 ألفاً و300 شخص قد عادوا إلى المغرب، فيما أعلنت السلطات الإسبانية انتشال 57 جثماناً على جانبها من الحدود، مع احتمال وجود ضحايا آخرين في الجانب المغربي. وتوقفت عمليات الدخول خلال الليل، وبدأت مدريد تركيب حواجز بحرية إضافية عند منطقة تراخال.

لكن انحسار الحشود لا يجيب عن السؤال الأكثر أهمية: لماذا اعتقد هذا العدد الكبير، في اللحظة نفسها، أن عبور البحر أو القفز فوق الحواجز أكثر عقلانية من البقاء؟ ومن استفاد من تحول الإحباط الاجتماعي إلى أزمة حدودية هزت إسبانيا وأعادت الهجرة إلى قلب الصراع السياسي الأوروبي؟

لماذا الآن؟

وفّر حكم أصدرته المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليو/حزيران الماضي المحفز المباشر. فقد أكدت المحكمة أن الأشخاص الذين يحاولون الوصول سباحة إلى سبتة ومليلية لا يمكن إخضاعهم تلقائياً لنظام الإعادة الفورية المطبق على من يتجاوزون الحواجز البرية، لأنهم لم يعبروا “عنصر احتواء” مادياً بالطريقة التي ينص عليها القانون. ولا يمنح الحكم المهاجرين حق الإقامة، كما لا يمنع إبعادهم بعد استكمال الإجراءات القانونية، لكنه أوقف إعادتهم فوراً من البحر من دون فحص أو إجراء.

انتقلت هذه القاعدة القانونية المعقدة إلى منصات التواصل بصيغة أبسط وأكثر خطورة: من يصل سباحة لن تتم إعادته. وتداولت حسابات ومجموعات رقمية مقاطع لأشخاص نجحوا في دخول سبتة، إلى جانب إرشادات عن المسارات البحرية وما ينبغي قوله للسلطات الإسبانية. ومع اتساع انتشار الصور، لم يعد العبور يُقدَّم باعتباره محاولة فردية عالية المخاطر، بل فرصة جماعية استثنائية قد تُغلق خلال ساعات.

كما ساعد هدوء البحر في هذا الوقت من العام على جعل السباحة تبدو أكثر أماناً، بينما خفّض الحجم الهائل للحشود عامل الخوف الفردي. فعندما يرى الشاب آلافاً يتحركون نحو الحدود، تتغير طريقة تقديره للمخاطر: يبدو احتمال النجاح أكبر، وتبدو قدرة السلطات على إيقاف الجميع أضعف، ويتحول ما كان قراراً عبثياً إلى سلوك جماعي معقول جداً.

الحكم القضائي كان إشارة، ومنصات التواصل كانت المسرّع، والارتباك الأمني حوّل التدفق إلى اختراق واسع. لكن هذه العناصر لا تفسر وحدها لماذا كان عشرات الآلاف مستعدين للاستجابة. فالشائعة لا تصنع هذا العدد من المهاجرين من العدم؛ إنها تحرك أشخاصاً يحملون مسبقاً أسباب المغادرة.

تنمية لا تنتج وظائف

لا تخرج هذه الأزمة من بلد غاب عنه الاستثمار أو توقف فيه النمو. فقد حقق المغرب خلال العقود الماضية تحولاً اقتصادياً مهماً، ووسّع شبكات الطرق والموانئ والخدمات اللوجستية، وطوّر صناعات تصديرية في السيارات والطيران، وخفّض مستويات الفقر، وأصبح حلقة إنتاج تربط أوروبا بأفريقيا. هذه إنجازات فعلية، وليست مجرد خطاب حكومي.

غير أن المشكلة تكمن في تحويل هذا الاستثمار إلى فرص عمل حقيقية وواسعة ومستقرة. ويقدّر البنك الدولي أن الاقتصاد المغربي أنتج، بين العامين 2000 و2024، وظائف أقل بنحو 215 ألفاً سنوياً مما كان مطلوباً للحفاظ على استقرار معدل التشغيل. وارتفعت الفجوة إلى نحو 370 ألف وظيفة سنوياً خلال الفترة من 2020 إلى 2024، على الرغم من دخول الاقتصاد مرحلة نمو أقوى. ويعني ذلك أن العجز التراكمي في خلق فرص العمل بلغ نحو 5.4 ملايين وظيفة بين العامين 2000 و2024، منها قرابة 1.85 مليوناً خلال السنوات الخمس الأخيرة وحدها. 

حافظ المغرب منذ العام 2000 على استثمارات تقارب 30% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بدول ذات مستويات دخل مماثلة. لكن النمو اعتمد بدرجة كبيرة على تراكم رأس المال والمشروعات العامة، من دون ارتفاع موازٍ في الإنتاجية أو قدرة الشركات على توظيف الداخلين الجدد إلى سوق العمل. ويشير البنك الدولي إلى أن 94% تقريباً من الشركات الرسمية صغيرة جداً، ومتركزة في التجارة والبناء وأنشطة محدودة القدرة على التوسع.

وحتى الحصول على عمل لا يضمن الاستقرار. فقد قدّر تقرير البنك الدولي أن نحو 69% من المشتغلين، أي قرابة 7.5 ملايين عامل، كانوا يعملون من دون عقد رسمي العام 2022. كما توظف الشركات الرسمية نفسها جزءاً واسعاً من عمالتها بصورة غير رسمية، ما يعني أجوراً وحماية اجتماعية ومسارات مهنية أقل استقراراً.

تظهر الكلفة بوضوح أكبر بين الشباب. ففي الربع الأول من 2026، بلغ معدل البطالة الصارمة بين المغاربة من 15 إلى 24 عاماً 29.2%، مقابل 10.8% على المستوى الوطني. وعند جمع البطالة الصريحة والعمل الناقص والقوة العاملة المحتملة، ارتفع معدل عدم الاستخدام الكامل لقدرات الشباب إلى 45.3%. أي أن الأزمة لا تقتصر على من لا يملكون عملاً، بل تشمل من يعملون ساعات غير كافية، أو تراجعوا عن البحث، أو بقوا على هامش السوق رغم استعدادهم للدخول إليه.

وتتسع الفجوة عند الانتقال من البطالة إلى الانقطاع الكامل عن مسار الاندماج. فقد أحصت المندوبية السامية للتخطيط 2.94 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً خارج العمل والتعليم والتدريب عام 2023، بما يعادل 33.6% من هذه الفئة العمرية. وترتفع النسبة إلى 50.2% بين من تتراوح أعمارهم بين 25 و29 عاماً، ما يكشف تعثر الانتقال من الدراسة إلى الاستقلال الاقتصادي لدى نصف هذه الفئة تقريباً.

هذه ليست بطالة عابرة تنتظر دورة نمو أفضل، بل فجوة بنيوية بين ما يتوقعه الشباب وما يستطيع الاقتصاد تقديمه. يدرس بعضهم سنوات طويلة، ثم يجد أمامه عملاً بأجر ضعيف، أو دواماً مرهقاً، أو وظيفة بلا عقد، أو انتظاراً مفتوحاً لا يضمن دخلاً ولا مكانة اجتماعية. وقد لخّص أحد العابرين إلى سبتة هذه الفجوة بقوله إنه أمضى نحو 14 عاماً في الدراسة، لكنه لا يرى في الداخل سوى العمل 12 ساعة مقابل أجر متواضع.

من ضعف الفرص إلى فقدان الثقة

لا تفسر البطالة وحدها المخاطرة بالموت؛ فمعظم العاطلين لا يعبرون البحر. العامل الأكثر خطورة هو تحول ضيق الفرص إلى اعتقاد بأن النظام الاجتماعي نفسه لا يقدم طريقاً عادلاً للتقدم.

أظهر استطلاع “أفروباروميتر” أن 44% من المغاربة فكروا في الهجرة، وترتفع النسبة إلى 64% بين الشباب، و69% بين العاطلين الباحثين عن عمل، و74% بين الفئات الأشد ضعفاً اقتصادياً. وجاء البحث عن وظيفة في صدارة الدوافع، يليه تحسين فرص الأعمال والهروب من الضائقة الاقتصادية والفقر.

ويضاف إلى ذلك إدراك واسع بأن الوصول إلى الموارد والوظائف والفرص لا تحدده الكفاءة دائماً. حصل المغرب على 39 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد للعام 2025، وحلّ في المرتبة 91 من بين 182 دولة. لا يثبت المؤشر وقوع فساد في كل تعيين أو مشروع، ولا يمكن استخدامه لإدانة أفراد أو مؤسسات بعينها، لكنه يرصد استمرار تصورات سلبية لدى الخبراء وقطاع الأعمال بشأن نزاهة القطاع العام والقدرة على ضبط الفساد.

عندما يجتمع نقص الوظائف مع شعور بأن الفرص لا توزع بعدالة، لا يبقى الإحباط اقتصادياً فقط. يتحول إلى أزمة ثقة: لماذا يواصل الشاب الدراسة أو الانتظار أو قبول وظيفة هشة، إذا كان لا يرى علاقة واضحة بين الجهد والنتيجة؟ عندها لا تعود أوروبا مجرد سوق عمل محتمل، بل تتحول في وعي الشاب إلى صورة قريبة لحياة أخرى، لا يفصله عنها سوى أمتار من الماء وحاجز حدودي. فخطر البحر، مهما بلغ من القسوة، يبدو محدد الزمن؛ أما خطر البقاء، فيمتد سنوات من البطالة، والاعتماد على الأسرة، وضياع الاستقلال، وانسداد الأفق.

من المستفيد من الفوضى؟

لا توجد أدلة على مدبّر واحد صنع الأزمة وتحكم في جميع أطرافها. البحث عن مؤامرة مركزية قد يحجب الآلية الأهم: أطراف متعددة استفادت من الفوضى، حتى لو لم تكن هي التي أنشأتها.

المستفيد المباشر الأول هو شبكات التهريب والوسطاء الذين يبيعون المعلومات والنقل والمعدات والوعود. وكلما شاع الاعتقاد بوجود ثغرة قانونية أو تراجع أمني، ارتفعت قيمة ما تبيعه هذه الشبكات. لكن حجم دورها في موجة سبتة لم يُحسم بعد، ولا يوجد ما يثبت أن عشرات الآلاف تحركوا جميعاً من خلال تنظيم إجرامي مركزي.

المستفيد الثاني هو اليمين الأوروبي، الذي حصل على صور شديدة التأثير يمكن استخدامها لإعادة تعريف الهجرة باعتبارها “غزواً” وتهديداً وجودياً، لا قضية اقتصادية وإنسانية وقانونية. وقد سارعت أحزاب وحكومات إلى تحميل سياسات إسبانيا المسؤولية، على الرغم من أن الادعاء بأن برنامج تسوية أوضاع المهاجرين تسبب في موجة سبتة لا تدعمه شروط البرنامج؛ إذ يقتصر على أشخاص وصلوا إلى إسبانيا قبل بداية 2026 وأقاموا فيها مدة محددة.

كما تستفيد المؤسسات الأمنية والسياسية التي تدفع نحو توسيع الحواجز وتسريع الإعادة وتقليص القيود القانونية. فقد أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز استخدام جميع موارد الدولة لاستعادة الأمن، ووصف ما جرى بأنه انتهاك لوحدة الأراضي الإسبانية، بينما بدأت السلطات تركيب حواجز بحرية وناقشت تعديلات تشدد إجراءات الإعادة.

أما المغرب، فيستفيد على مستوى أعمق من إثبات أن إسبانيا والاتحاد الأوروبي لا يستطيعان حماية حدودهما الجنوبية من دون تعاونه. فخط الدفاع الفعلي عن سبتة لا يبدأ عند السياج الإسباني، بل داخل الأراضي المغربية، حيث تمنع قوات الأمن التجمعات والوصول إلى الشواطئ والطرق المحاذية للحدود. وكل أزمة تؤكد هذه الحقيقة ترفع القيمة التفاوضية للرباط في ملفات الهجرة والتمويل والعلاقات مع مدريد وبروكسل.

لكن الاستفادة التفاوضية لا تثبت أن السلطات المغربية دبّرت الموجة أو سمحت بها عمداً. فقد شوهد أفراد من قوات الأمن المغربية واقفين من دون تدخل خلال الساعات الأولى، ثم استخدمت السلطات لاحقاً الغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه لوقف التدفق. وتوجد تقديرات تربط التراخي الأولي بتوترات سياسية بين الرباط ومدريد، لكن لا تتوافر حتى الآن أدلة كافية لتحويل هذا الاحتمال إلى حقيقة.

المستفيدون، إذاً، لا يشتركون في غرفة واحدة. المهرب يربح المال، واليمين يربح الخوف، والمؤسسة الأمنية تربح صلاحيات إضافية، والحكومة المغربية تعزز قيمتها بوصفها حارساً ضرورياً للحدود الأوروبية. أما الاتحاد الأوروبي، فيعيد مرة أخرى نقل كلفة ضبط الهجرة إلى دول الجوار بدلاً من معالجة أسبابها أو فتح مسارات قانونية كافية للحركة والعمل.

الخاسر لا يملك ورقة تفاوض

وسط هذا التنافس، يبقى المهاجر الطرف الوحيد الذي لا يحوّل الأزمة إلى مكسب. فقد عاد معظم العابرين بعد ليلة من الجوع والإنهاك والضياع في شوارع سبتة، عندما اكتشفوا أن دخول المدينة لا يفتح الطريق إلى البر الإسباني، وأن الحكم القضائي لا يمنحهم حق البقاء. وخسر آخرون أموالهم ومتعلقاتهم، بينما دفع 57 شخصاً على الأقل حياتهم في البحر أو عند الحواجز.

لا ينبغي قراءة عودتهم السريعة دليلاً على أن دوافع الهجرة اختفت. الذي انهار هو الوعد المحدد الذي حرك الموجة، لا الأسباب التي جعلت الناس يصدقونه. أُغلقت الثغرة، لكن البطالة والعمل الهش والفوارق الاجتماعية وفقدان الثقة بقيت في مكانها.

لذلك لن يُقاس نجاح إسبانيا والمغرب بعدد الحواجز الجديدة أو سرعة إعادة الوافدين فقط. الاختبار الفعلي هو ما إذا كان المغرب سيحوّل استثماراته ونموه إلى فرص يلمسها الشباب خارج المراكز الصناعية الكبرى، وما إذا كانت أوروبا ستتعامل مع الهجرة باعتبارها نتيجة لاختلالات اقتصادية وسياسية، لا مجرد حركة أجساد يجب إيقافها قبل وصولها. أما تجاهل هذه الطبقة، فسيعني أن سبتة المقبلة بدأت بالفعل؛ لم يُحدَّد موعدها بعد، لكن الأشخاص المستعدين لخوضها ما زالوا ينتظرون الشائعة التالية.