في ظل الحُمى العالمية التي تجتاح البنية التحتية لمنظومات الذكاء الاصطناعي، تتكشف أزمة جديدة قد يدفع المستهلكون ثمنها قريباً. فالتوسع الهائل في مراكز البيانات، وما تتطلبه من شرائح ومعالجات وذاكرة عالية الأداء، يفرض ضغطاً غير مسبوق على سلاسل التوريد ويُهدد برفع أسعار الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية خلال الأشهر المقبلة.
مع التعديل الجديد الذي أجرته “إنفيديا” على منتجاتها، دخلت الشركة في منافسة مباشرةً مع عمالقة مثل “أبل” و”سامسونغ” على المكوّنات نفسها، الأمر الذي يُنذر بموجة ارتفاعات سعرية تمتد من ذواكر الوصول العشوائي الديناميكية “DRAM” ووحدات التخزين إلى الإلكترونيات الاستهلاكية بأكملها.
يبدو أن صناعة أشباه الموصلات مقبلةٌ على واحدة من أعقد اختناقاتها منذ عقود. انظر إلى عمالقة التقنية، تجدهم يضخون مئات المليارات من الدولارات في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، التي تعتمد بدورها على شرائح متقدمة من شركات مثل “إنفيديا”، إضافة إلى منظومة واسعة من الموردين والمكوّنات لإنشاء وحدات معالجة الرسومات المرغوبة. لكن، مع دخول لاعبين آخرين مثل “إيه إم دي” و”غوغل” و”مايكروسوفت” في سباق التوسّع، أصبحت سلاسل الإمداد العالمية مثقلة إلى حدود غير مسبوقة.
أحد أكثر التحليلات وضوحاً، جاء على لسان إدي وو، الرئيس التنفيذي لشركة “علي بابا”، الذي أكّد الأسبوع الماضي أنّ السوق يشهد نقصاً واسعاً يشمل مصنّعي أشباه الموصلات وشرائح الذاكرة وأجهزة التخزين مثل محركات الأقراص الصلبة. وأوضح وو أنّ هذا النقص قد يستمر بين عامين وثلاثة أعوام، مشيراً إلى أنّ جانب العرض بات “عنق زجاجة كبيراً” للتوسع في قدرات الذكاء الاصطناعي.
ويشير خبراء “باين آند كومباني”، الشركة العالمية في مجال استشارات الأعمال، إلى أنّ محركات الأقراص الصلبة “HDD”، المُستخدمة بكثافة في مراكز البيانات، وصلت إلى طاقتها القصوى. وقد دفع ذلك الشركات إلى التحوّل لاستخدام محركات أقراص “SSD”، وهي مكوّن أساسي في الأجهزة الاستهلاكية مثل الهواتف والحواسيب. ومع تنافس مراكز البيانات على نفس المكوّنات المستخدمة في الإلكترونيات الاستهلاكية، بدأت أسعار المنتجات النهائية في الارتفاع ومخاطر النقص في التزايد.
“إنفيديا” في قلب العاصفة
تحظى “إنفيديا” باهتمام كبير بين المستثمرين لأنها تستحوذ على حصة الأسد من شرائح مراكز ذكاء الاصطناعي، وتعتمد بشكل كبير على ذواكر “HBM”. غير أن التطور الأبرز هو تحوّل الشركة نحو استخدام ذواكر “LPDDR”، المستخدمة عادةً في الهواتف الذكية والأجهزة المحمولة المتطورة بسبب كفاءتها العالية في استهلاك الطاقة.
بدخول “إنفيديا”، بوزنها الإنتاجي الهائل، إلى سوق الذاكرة ذاتها التي تعتمد عليها “سامسونغ” و”أبل”، فإن سلسلة التوريد ستواجه “تحولاً زلزاليّاً” لا يمكن استيعابه بسهولة.
ارتفاعات سعرية حادّة
تسبّب الطلب المتزايد على الذواكر، خصوصاً الذاكرة ذات عرض نطاق التردد العالي “HBM” المستخدمة في رقائق إنفيديا، في ارتفاعات وصفها المحللون بـ”الدراماتيكية”. وتتوقع مؤسسة “كاونتربوينت ريسيرش” أن ترتفع أسعار الذاكرة بنسبة 30% في الربع الأخير من 2025، وبنسبة 20% إضافية مطلع 2026. وحذرت من أنّ اختلالاً بسيطاً بين العرض والطلب لا يتجاوز 1% قد يرفع الأسعار بشكل حاد. أما الآن، فالفجوة وصلت إلى 3%، ما يجعل الزيادات شبه مؤكدة.
يمكن أن يكون بناء القدرات في مختلف مجالات سلسلة توريد أشباه الموصلات مكلفاً للغاية، ويتطلب استثمارات ضخمة تستغرق عامين إلى ثلاثة أعوام حتى تظهر نتائجها. ولأن القطاع بطبيعته معروف بتجنبه للمخاطرة، فقد تردّد العديد من الموردين في الاستثمار بما يتناسب مع توقعات عملائهم. ومع ارتفاع الطلب بشكل أسرع من المتوقع، وجدت الشركات نفسها أمام فجوة إنتاج تحتاج وقتاً طويلاً لسدّها.
انعكاسات طفرة الذكاء الاصطناعي
تمتلك الشركات المصنعة للرقائق مثل “تي إس إم سي” التايوانية، و”سامسونغ” الكورية، و”إنتل” الأمريكية طاقة إنتاجية محدودة. وعندما يرتفع الطلب على شرائح مراكز البيانات، تُعطى الأولوية للعملاء الكبار، ما يؤدي إلى نقص في الشرائح المخصّصة للأجهزة الاستهلاكية.
وتُعدّ ذواكر الوصول العشوائي الديناميكية “DRAM” تحديداً محورية لأنها تُستخدم في الهواتف والحواسيب، ومع ارتفاع أسعارها بنسبة تتراوح بين 20% و30%، فإن التكلفة الإجمالية لمكوّنات الجهاز قد ترتفع بين 5% و10%.
ويحذّر خبراء الصناعة في “باين آند كومباني” من أنّ الزيادات في الأسعار بدأت بالفعل، ومن المرجح أن تتسارع مطلع العام المقبل، في ظل اندفاع شركات الذكاء الاصطناعي لشراء نفس المكوّنات التي تعتمد عليها الإلكترونيات الاستهلاكية. وفي حال عجز الشركات عن الحصول على المكوّنات اللازمة في الوقت المناسب، فإن السوق قد يشهد نقصاً في بعض الطرازات الأكثر انتشاراً.
لن يقتصر التأثير على الأجهزة الاستهلاكية فحسب، فالقطاعات التي تعتمد على نفس قدرات الرقائق الذكية، مثل السيارات والصناعات الثقيلة والطيران والدفاع والفضاء، قد تتأثر أيضاً مع تحوّل الموردين نحو إمداد شركات الذكاء الاصطناعي ذات الأولوية.
رأي بعض الشركات
شركة “شاومي”، ثالث أكبر مُصنّع للهواتف في العالم، قالت إنها تتوقع ارتفاعات كبيرة في أسعار التجزئة خلال الفترة المقبلة. وفي السياق نفسه، وصف جيف كلارك، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة “دِل تكنولوجيز”، ارتفاع أسعار المكوّنات بأنه “غير مسبوق”، مؤكداً أن الشركة لم تشهد من قبل وتيرة ارتفاع تشبه الحالية، خصوصاً في شرائح الذاكرة ومحركات الأقراص الصلبة.
يمكن القول إن قطاع أشباه الموصلات يشهد ضغطاً متصاعداً ناجماً عن تسارع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، مقروناً بتحوّل استراتيجي من “إنفيديا” نحو مكوّنات تشترك بها مع الأجهزة الاستهلاكية. وما تحذيرات شركات كهذه إلا مؤشرات على واقع بدأ فعلاً بالتشكل: أسعار الهواتف ستزداد، وأسعار الحواسيب ستقفز، وربما سنشهد نقصاً في بعض الفئات من الأجهزة.
وبما أن ملايين الأشخاص يعتمدون على هذه الأجهزة في عملهم وتعليمهم واتصالهم، فإنّ دخول التكنولوجيا في خانة “السلع الباهظة” سيخلق فجوة رقمية جديدة، تفصل بين من يستطيع مواكبة التطور التقني ومن يتراجع خلفه.















