بقلم محرّر الشؤون السياسية: حموش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون السياسية: حموش أبوبكر

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

زلزال دبلوماسي: واشنطن تجمد تأشيرات 75 دولة في أوسع حملة تقييد للهجرة منذ عقود

بقلم محرّر الشؤون السياسية: حموش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون السياسية: حموش أبوبكر

في تطور دراماتيكي أعاد رسم خريطة السفر الدولي وسياسات الهجرة العالمية، كشفت شبكة “فوكس نيوز” الأمريكية في الرابع عشر من يناير 2026، عن إصدار وزارة الخارجية الأمريكية توجيهات فورية وغير مسبوقة تقضي بتجميد شامل لكافة إجراءات معالجة التأشيرات (Visa Processing Freeze) لمواطني 75 دولة حول العالم.

هذا القرار، الذي وصفه مراقبون بأنه “الأكثر راديكالية” في هذا العام، لا يقتصر على الدول المصنفة تقليدياً كخصوم للولايات المتحدة مثل روسيا وإيران، بل امتد ليشمل دولاً حليفة وشريكة استراتيجياً مثل مصر والعراق، إضافة إلى دول تعاني اضطرابات مثل الصومال، مما ينذر بأزمة دبلوماسية وإنسانية معقدة.

ذريعة “العبء العام” والأمن القومي

وفقاً للوثائق المسربة والتقارير التي أوردتها “فوكس نيوز”، فإن هذا الإجراء يختلف جوهرياً عن قرارات “حظر السفر” السابقة؛ فهو لا يمنع دخول الأشخاص بناءً على جنسياتهم بشكل مباشر، بل يقوم بتعطيل الآلية البيروقراطية لإصدار التأشيرة نفسها. وبموجب هذا التوجيه، ستتوقف السفارات والقنصليات الأمريكية في الدول المشمولة عن استقبال طلبات جديدة أو البت في الملفات العالقة لأجل غير مسمى، ريثما يتم تطبيق بروتوكولات تدقيق أمني ومالي جديدة شديدة الصرامة.

تستند الإدارة الأمريكية في هذا القرار إلى دافعين رئيسيين: الأول هو المخاوف المتزايدة مما يسمى “العبء العام” (Public Charge)، حيث تشير البيانات إلى أن مواطني هذه الدول الـ 75 سجلوا معدلات مرتفعة في الاعتماد على المساعدات الحكومية الأمريكية فور وصولهم. والدافع الثاني أمني بحت يتعلق بضعف التعاون المعلوماتي مع تلك الدول.

برر مصدر مسؤول في وزارة الخارجية هذا الإجراء قائلاً: “نحن لا نغلق الحدود، بل نغلق الثغرات. لقد وصل نظام الهجرة لدينا إلى نقطة الانهيار، ولا يمكننا الاستمرار في معالجة طلبات من دول لا تمتلك بنية تحتية أمنية موثوقة للتحقق من هوية مواطنيها، أو تلك التي ترفض التعاون في استعادة مخالفي الإقامة. الأمن القومي الأمريكي لم يعد يحتمل المجاملات الدبلوماسية”.

خارطة الاستهداف: من الحلفاء إلى الخصوم

لعل الصدمة الأكبر في هذا القرار تكمن في قائمة الدول المشمولة. فبينما كان متوقعاً شمول روسيا وإيران في ظل التوترات الجيوسياسية المستمرة، وكذا الصومال بسبب المخاوف الأمنية التقليدية، جاء إدراج مصر والعراق ليخلط الأوراق الدبلوماسية. يشير التقرير إلى أن إدراج العراق ومصر جاء نتيجة تقارير لوزارة الأمن الداخلي تؤكد ارتفاع معدلات “تجاوز مدة الإقامة” (Overstay Rates) لمواطني الدولتين بشكل كبير خلال العامين الماضيين، فضلاً عن تعقيدات بيروقراطية تواجهها واشنطن عند محاولة ترحيل مواطني هذه الدول ممن رفضت طلبات لجوئهم أو انتهت تأشيراتهم.

يرسخ هذا التوسع في القائمة مبدأً جديداً للإدارة الحالية: المعايير الفنية والأمنية تعلو فوق التحالفات السياسية. فالعراق، الشريك في مكافحة الإرهاب، ومصر، الشريك الاستراتيجي في الشرق الأوسط، يواجهان الآن نفس القيود المفروضة على دول “محور الشر”، وهو ما يعكس تحولاً جذرياً في كيفية استخدام واشنطن لملف التأشيرات كأداة ضغط قصوى لإجبار الحكومات الأجنبية على الامتثال لمعايير الهجرة الأمريكية الجديدة، وتسليم البيانات البيومترية، واستعادة مواطنيها المرحلين دون شروط.

“عقاب جماعي” يثير عاصفة قانونية

رغم قتامة المشهد، تضمنت التوجيهات استثناءات محدودة جداً لضمان عدم انقطاع “شعرة معاوية” مع العالم. يُستثنى من التجميد حاملو التأشيرات الدبلوماسية (A-1 و A-2) وموظفو المنظمات الدولية (G Visas)، كما تم وضع مسار ضيق ومعقد للحالات الطبية الطارئة جداً (Life-or-death situations). وأكدت الإدارة أن القرار يخص إصدار التأشيرات الجديدة ولا يلغي إقامات حاملي البطاقة الخضراء (Green Card) الحاليين، وإن كان من المتوقع أن يواجهوا تدقيقاً إضافياً عند المنافذ الحدودية.

مع ذلك، أثار القرار موجة استنكار واسعة بين منظمات حقوق الإنسان ومحامي الهجرة الذين اعتبروا الخطوة كارثية على المستوى الإنساني، خاصة للعائلات التي تنتظر لم الشمل والطلاب المقبولين في الجامعات الأمريكية. 

سارة جنكينز، محامية الهجرة ومديرة منظمة “حقوق المهاجرين الآن”، وصفت القرار في حديثها لوسائل الإعلام بأنه تكتيك يهدف للتعجيز وليس التنظيم، قائلة: “هذا القرار هو بمثابة حكم بالإعدام البطيء على آمال ملايين العائلات. إن تجميد المعالجة بدلاً من الرفض المباشر هو تكتيك بيروقراطي خبيث يترك الناس في حالة من عدم اليقين القانوني لسنوات، وهو عقاب جماعي لشعوب بأكملها بسبب سياسات حكوماتها أو عجز أنظمتها الإدارية”.

وبينما تنتظر العواصم العالمية توضيحات رسمية إضافية، يبدو أن عام 2026 قد دشن حقبة جديدة من الانغلاق الأمريكي، حيث أصبح الوصول إلى الولايات المتحدة امتيازاً نادراً مشروطاً بتعاون دولي كامل، وليس مجرد إجراء روتيني كما كان في السابق.