تأبى لغة المهد الكينوني إلا أن تجود على واقعنا بمفاهيم وجودنا التي نعتنقها كمسلّمات، من دون أن نتساءل عن أرومتها الأولية، كما يحدث مع مدلول خطير كالألوهة في حقل علاقتها بأمّنا الطبيعة، ذلك لأن لسان المهد علّمنا أن أكثر الدلالات التجريدية أو الروحية مستعارة من الواقع الحرفي البيئي، تحديداً في تجلّيات الطبيعة؛ الثريّة في هباتها، الداهية في تطلّعاتها لارتياد آفاق فلكية في سيرورتها، إسطورية في جرأتها. وإلا فما العلاقة التي يمكن أن تغدو علّة، تزاوج بين أسمى مبدأ وهو الربوبية، كي ينبثق في مفهوم حسّي مشتق من نشاط طبيعي كالشمس مثلاً؟
الموقف من الطبيعة، في عقليّة بطل المهد، دينيّ، يعتمد نهج تأويل يُدمن أفيون التأليه، كما يحدث مع قطب، اعتدنا أن نراهن عليه في أدبياتنا عندما يتعلّق الأمر بالفلك، وهو كوكب الشمس، بوصفها الظاهرة الأكثر حضوراً في واقع اليابسة من بين كل رموز الفلك! ومن الطبيعي أن تُحيي في المخلوق هاجس الخالق، فينصّبها تجسيداً لهذه القوّة الغيبيّة الخارقة التي يوسوسها حدساً، ولكن هيهات أن يلمسها حسّاً، والشمس أنسب مثال لتبوّء هذه المنزلة السامية، الواقعة في برزخ بين الحدس والحسّ، لهيمنتها على البعد الواقع بين السماء والأرض، لتستعير، بهاتين الخصلتين، ماهيّة هاتين الطبيعتين، من سلطان موقعها بين القطبين، ومن موهبتها في تبديد شبح الديجور، لبعث أنفاس الحياة في النهار، فكيف لا يعتمدها مريد الخلاص عروةً وثقى لتحقيق الخلاص في حرف Sol، كمفردة مركّبة من السين، الدالّة، في لسان المهد، على «الإمتلاء» واللّام، الدالّة على الملكيّة، أي الألوهة، لتكون العبارة «ذات الألوهة»، لتستعير كل اللغات الأوروبية إسم هذا الكوكب من هذا التركيب، في حين اعتمدت المصرية والليبيّة القديمة أسماء أخرى بدأت بـ «هرو»، كاشتقاق من «يرو»، الدالّة في اللغتين على القدمة، أو الأزل، لأن الهاء في لغة المهد يُعامل كحرف صائت يجوز إضافته، أو إسقاطه دون إلحاق الضرر بمدلول السواكن، ومازال «هرو» يجري على لسان أمّة التكوين، في الصحراء الكبرى، في معنى «ربّ المطر»، وليس عبثاً أن يرد «برت أم هرو» كعنوان أصلي لأعظم عمل مرجعي في علم المصريات وهو «كتاب الموتى»، الذي تعني ترجمته من لسان المهد: «السبيل إلى طبيعة الربّ هرو»، كما عالجناه في موسوعتنا «بيان في لغة اللاهوت» منذ ثلث قرن. و«هرو» أيضاً هو ربّ أرباب محفل التاسوع الربوبي المصري، الخاضع لناموس معبود خالد هو «يرو»، أو «هرو» الدالّ على الزمن في بُعد الأزل، ليستعير صيغة أخرى هي «رغ»، بالغين، التي ترد في تراجم المستشرقين «رع»، بالعين، وهو خطأ، لعدم وجود حرف العين في اللغات الحامية، سيّما المصرية والليبية المستعارتين من لغة المهد، التي يعني في منطوقها «يشتعل»، تعبيراً عن حقيقة «الشمس» كحريقٍ خالد، ليتحوّل «رو»، أو «هرو»، إلى «رغ»، كإبدال شائع ومثير للفضول في لغة المهد، ليغدو «رغ»، أي «المشتعل»، ليستعير اللون الأصفر إسمه من لون هذا الحريق الخالد، ليتبنّى هذا الإسم، بل ويستعير معدن الذهب أيضاً إسمه من هذا العرّاب في «أورَغ»، وكلّها سلالة الإشتعال، أي النار، أو تحديداً، ذلك اللهب الأسطوري، الذي يجود به الكوكب الخرافي، المعلّق في برزخ بين السماء والأرض، الذي يحوّل الليل نهاراً بإطلالته، كما يحيل النهار ظلاماً باغترابه، في هجرة سرمدية تتعاقب فيها الأدوار بشرائع فلكيّة، (لا يملك سكان الأسافل إلّا الإمتثال لمشيئتها، بأن يعبدوا المعبود في القطب الوصيّ على تجلّياتها في ديمومة سيرورتها، لأن كلمة «تفوكت»، الرديف الآخر المعتمد في لسان أهل الصحراء الكبرى إنّما يعني: التجلّي أيضاً، أي بروز جرمٍ مّا من قمقم مّا، واستحضاره في الحرية، وهي صيغة شعرية فاتنة للتعبير عن شروق الشمس بعد اغتراب ليل شتوي طويل، لأنه رديفٌ لميلاد وجود جديد، في عرف إنسان رومانسي، يتماهى مع الطبيعة بقوانين المهد الفطرية، التي تخلق فيه شفافية الشاعر، فلا يبقى الإنبثاق الشمسيّ ظاهرة حرفيّة، حميمة الصلة بالطبيعة كواقع حسّي، ولكن الإنبثاق هنا انعتاق، ليس مجرّد تحرير، ولكنه يستعير سلطة التنوير في بُعْدها الروحيّ، أو الحدسيّ، ليسري في الوجدان البريء، بحكم حداثة العهد بالوجود الطبيعي، كبصمة سحرٍ، تشعل فيه فتيلاً غامضاً، لن يكون، في منطق مهدٍ، سوى الإيمان، أو ما نسمّيه إيماناً، لأن ما هو الإيمان إن لم يكن هدهدة حلم، يستعير قرون استشعار، لاستطلاع طبيعة هاجس غيبيّ، هو الشعاع الآمر، المنبعث من كوكب العجب، يلعب فيه دور البطولة، فيفوز فيه وسام الألوهة عن استحقاق؟
فالذخيرة الخرافية إنّما تسكن مستودع «تفوكت» الدالّة على معنى كوكب كان سبب نعيمٍ هو الضياء، كفعل دالّ حرفيّاً على الخلاص، المستخلص من حدث هو: الإنسلاخ «يفّوكَّتْ»، أي تحرُّر جسم مّا من كابوس مّا، لتحدث الصحوة في «يفّو» المعبّرة في أمازيغيّة المهد، على: أصبح، استعارةً من خزنة ثريّة تغنّت بها المصريّة القديمة أيضاً في «أفا»، برهاناً على معجزة في واقع بكر، حديث العهد ببروز الكوكب من عتمة الفجر، معلناً حلول النهار. وهذه الـ«فا» مبدعة جدّاً، إذا استجوبنا فيها منطق أمّنا الطبيعة، فاستعارت منها العربية كلمة فحيح، لأن الأصل فيها هو صوت النار عندما تلتهم الحطب، ليتمّ إسقاطه على بزوغ الشمس من معقلها، أي انفكاكها من الأسر، فلا نملك إلّا أن نلاحظ أن فعل الانفكاك في العربية، إنما هو استعارة من «يفّوكّت» الدالّة على انسلاخ جرم من جرم آخر، أو من واقع آخر، في حضرة مملكة الحسّ، التي ندعوها طبيعةً، في مختلف تجلّياتها، التي يرجع الفضل فيها لوجود الشمس.
من مخاض هذه الولادة، التي تنبثق فيها شعلة النور، وتجود لا بالضياء وحده، ولكن بالدّفء أيضاً، لا يملك لسان المهد إلّا أن يتغنَّى بخلاص أبعد منالاً، يبشّر لا بتحرير الواقع من كابوس الظلمات، ولكن بتنوير الواقع الروحي أيضاً، من خلال ميلاد مفهوم أعظم شأناً من مفهوم الانفكاك، وهو «التفكّر» في العربية، المنبثق كلقية أسطورية من «يفوك» الأمازيغية، الجارية أوّلاً في منطق «يفوق»، كبرهان على التفوّق، ثم في منطق حدسيّ خطير هو التفكير، وهي تركيب من «يفّو» في معنى: «أصبح»، ثم «كر» الدالة في الأمازيغية على: القوّة، أو «السطوة»، سيّما عند تفخيمها في «قرّ»، (يقّور)، ليغدو تعريف عملية التفكّر في صيغة «يفوكّر» هو: انبثاق القوّة، أو القدرة، أو السطوة، كترجمة شعرية ماكرة هي: الفكرة!
إنها المغامرة البطولية التي حررت إنسان المهد، الغارق في ديجور الجهل، بحقيقته الاستثنائية، كإنسان، مدجّج بعقال هو العقل، لينبثق من رحم العدم، انبثاق الشمس من عقال معقلها في الأسر، ليحقق في نفسه، بفضل «يفوكّت»، منزلة «يفّوكر»، كزند غيبيّ، قدح شرر «الوعي»، في واقع ظلمة هي المهد، فيسطع الباطن بميلاد مفهوم، كان حتى تلك اللحظة مغترباً، وهو: الحضور في فردوس هو الكينونة، كشهادة على ميلاد ذاكرة هي: التاريخ!
أليس فتحاً مبيناً أن تفلح اللغة في ترويض مفهوم التنوير، انطلاقاً من فعل تفكيك كوكب فلكي كالشمس، تعبيراً عن تحرر من مجهول، مكبّل بالظلمات، في انبثاقة ملحميّة، تبدّد منفى الواقع، المسربل بالعتمة، فلا يحلّ الخلاص في اليابسة، بفضل نور «تفوكت» التفكيكية، وحدها، ولكن الانبثاقة تخترق الطبيعة نفسها، لتنتج قيمة تنويرية أعظم فحوى، في وعي بطل ملهاتنا الأرضيّة، محقّقاً يقظة أسطورية في فعل «يفكّر»، المستعار من «يفّوكت» ماهية شمس؟
أليس نور التنوير، المترجم في نور الحدس، أعظم مفعولاً من نور الحسّ، المترجم في حرف القطب الفلكي، الذي أنجب بنجاته من شرك الظلمة، مفهوم «الصّبح»، الذي لن يكون إلّا الصحوة من ضياع؟
ملاحظة: الشين في كلمة «شمس» سين ثانية، في اللغات السامية، بل وفي لسان المهد أيضاً، لأن السين في سواكن لغة المهد تحمل حمولة هي أكثر من مجرد مدلول، ولكنها ذخيرة مفهوم يترجم كل ما متّ بصلة إلى الجوهر، أو الباطن، أو ببساطة: الإمتلاء، مجسّداً في حرف «إسّا» بإضافة الأحرف الصائتة. أمّا كلمة «مس» التالية، فهي «مسّي»، بإضافة حرف علّة، استكمالاً للنبرة الغنائية، المستعملة كمعزوفة لتسويق الحجّة، بمواهب الموسيقى، كفتنة خطاب، لتعني: «مولاي»، لتتحوّل الجملة: «الملآن بالمولى»، أو «المسكون بالألوهة»، كناية عن معبود فلكي هو: الشمس، بوصفها الكوكب الذي لعب دور أول جرم سماوي، جدير بأن يتبوّأ منزلة المعبود في تجربة إنسان المهد الدينية. فكليم الألوهة، النبيّ موسى، إنّما يعني، في لغة المهد، مولاي، إكباراً لمقام أيّ نبيّ، فكيف إذا كان الإنسان الوحيد الذي صار «كليم الله»، فلم يكتفِ، ولكنه لم يتردّد في أن يكون المخلوق الوحيد الذي تجرّأ، ووضع شرطاً للقيام بالتبشير، هو انتداب أخيه هارون لكي يلعب، في تجربته النبويّة، دور الترجمان؟!
















