تشهد سوق الديزل العالمية موجة جديدة من الاضطرابات بعد قرار روسيا تعليق صادراتها من الوقود، في خطوة عمّقت أزمة الإمدادات المتفاقمة أصلاً، وأثارت موجة ارتفاعات حادة في الأسعار طالت الولايات المتحدة وأوروبا، رغم توقفهما عن استيراد الخام الروسي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
ويعكس التفاعل السريع للأسواق مدى الترابط الذي يحكم تجارة النفط والمنتجات المكررة عالمياً، إذ لم يعد تأثير القرارات الروسية ذات الصلة مقتصراً على المشترين المباشرين، بل امتد إلى إعادة رسم مسارات التجارة العالمية، ورفع حدة المنافسة على الشحنات البديلة، في وقت تواجه فيه الأسواق ضغوطاً متزامنة ناجمة عن اضطرابات الشرق الأوسط، وانخفاض المخزونات، واستمرار اختناقات التكرير.
مخاوف الإمدادات
أدى قرار موسكو تعليق صادرات الديزل إلى تعميق النقص في أحد أهم أنواع الوقود المستخدمة عالمياً، إذ يمثل الديزل الحصة الأكبر من استهلاك المنتجات النفطية، ويدخل في تشغيل الشاحنات والمعدات الصناعية والآلات الزراعية والسفن ومحطات توليد الكهرباء، ما يجعل أي اضطراب في إمداداته ينعكس سريعاً على تكاليف النقل والإنتاج وسلاسل التوريد، ومن ثم على معدلات التضخم.
ويأتي القرار الروسي في وقت تعاني فيه السوق أصلاً من شح الإمدادات نتيجة مزيج من العوامل، أبرزها النمو القوي في الطلب بعد جائحة كورونا، وإغلاق عدد من المصافي في أوروبا وأمريكا الشمالية خلال السنوات الماضية، إضافة إلى انخفاض الطاقة التكريرية المتاحة مقارنة بوتيرة نمو الاستهلاك العالمي.
كما زادت الحرب مع إيران من الضغوط على سوق الوقود العالمية، بعدما أججت المخاوف بشأن أمن الملاحة في الخليج، ما أضاف علاوة مخاطر جديدة إلى أسعار النفط والمنتجات المكررة، وفي مقدمتها الديزل.
وتكتسب الخطوة الروسية أهمية خاصة لأن موسكو تُعد ثاني أكبر مُصدّر للديزل في العالم بعد الولايات المتحدة، ما يجعل أي تراجع في صادراتها قادراً على إحداث اختلالات واسعة في ميزان العرض والطلب العالميين.
تراجع الصادرات
لم يكن قرار الحظر بداية الأزمة، إذ كانت صادرات روسيا من الديزل تتراجع بالفعل خلال الأسابيع الماضية نتيجة نقص الإمدادات المحلية، الذي تفاقم بسبب الهجمات بالطائرات المسيّرة الأوكرانية على عدد من منشآت التكرير الروسية، ما أجبر السلطات على إعطاء الأولوية لتلبية احتياجات السوق المحلية.
وتظهر بيانات شركة “كبلر” المتخصصة في تتبع حركة الشحنات أن صادرات روسيا من الديزل وزيت الغاز بلغت نحو 234 ألف برميل يومياً خلال الفترة بين الأول والعاشر من يوليو/تموز، مقارنة بنحو 400 ألف برميل يومياً في يونيو/حزيران، بينما بلغ متوسط الصادرات خلال العام 2025 نحو 817 ألف برميل يومياً، ما يعكس الانخفاض الحاد الذي سبق قرار وقف التصدير.
ويعني هذا التراجع أن الأسواق العالمية كانت قد بدأت بالفعل استيعاب انخفاض الإمدادات الروسية قبل الإعلان الرسمي، إلا أن قرار الحظر الكامل ضاعف المخاوف ودفع المتعاملين إلى إعادة تسعير المخاطر بسرعة.
تزامن القرار الروسي مع موجة جديدة من الضربات الأمريكية على إيران، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بحركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة في العالم، وسط قلق من تأثير أي اضطرابات إضافية في الصادرات القادمة من الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تراجع مخزونات الديزل في الولايات المتحدة بأكثر من 4.5 ملايين برميل خلال أسبوع واحد لتصل إلى 97.8 مليوناً حتى الثالث من يوليو، وهو مستوى يقل بنحو 6% عن متوسط السنوات الخمس الماضية.
وقد أدى اجتماع هذه العوامل في توقيت واحد إلى موجة شراء قوية في الأسواق، إذ دفعت المخاوف الجيوسياسية، إلى جانب الحظر الروسي وانخفاض المخزونات الأمريكية، المستثمرين إلى تغطية مراكزهم بسرعة، ما عزز الارتفاعات السعرية.
قفزات قياسية في الأسعار
على الرغم من أن الولايات المتحدة وأوروبا لم تعودا تستوردان الوقود الروسي منذ فرض العقوبات عقب الحرب في أوكرانيا، فإن أسعار الديزل فيهما سجلت ارتفاعات حادة، في تأكيد جديد على الطبيعة العالمية لسوق المنتجات النفطية.
وقفزت العقود الآجلة للديزل منخفض الكبريت في الولايات المتحدة بنسبة 11% عقب إعلان الحظر، لتصل إلى نحو 154 دولاراً للبرميل، مع اتساع الفارق السعري إلى نحو 80 دولاراً فوق خام غرب تكساس الوسيط.
وفي أوروبا، بلغ هامش علاوة عقود زيت الغاز منخفض الكبريت مقارنة بخام برنت مستوى قياسياً عند 60.77 دولار للبرميل، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين أسعار الخام والوقود المكرر نتيجة شح الإمدادات.
ويشير هذا التطور إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بمصدر الإمدادات الروسية مباشرة، بل بنقص الكميات المتاحة في السوق العالمية، الأمر الذي يدفع المشترين إلى المنافسة على الشحنات المستوردة من مصادر أخرى.
خريطة تجارة الديزل العالمية
من المتوقع أن يؤدي غياب الإمدادات الروسية إلى إعادة توجيه تدفقات التجارة العالمية، إذ سوف تسعى الدول التي كانت تعتمد على الديزل الروسي، مثل البرازيل وتركيا، إلى زيادة مشترياتها من الولايات المتحدة وغيرها من المنتجين، لتدخل في منافسة مباشرة مع المشترين الأوروبيين.
وقد تمتد آثار هذه المنافسة إلى قطاعات استراتيجية، مثل الكهرباء والزراعة والنقل البحري، خصوصاً إذا قررت تركيا الاحتفاظ بإنتاجها المحلي لتغطية احتياجاتها الداخلية، وهو ما قد يقلص الإمدادات المتاحة لدول حوض البحر المتوسط التي تعتمد على الديزل في تشغيل محطات الكهرباء خلال ذروة الطلب الصيفي.
كما قد يؤدي ارتفاع الأسعار إلى زيادة تكاليف الإنتاج الزراعي، مع اقتراب موسم الزراعة في نصف الكرة الجنوبي وموسم الحصاد في نصف الكرة الشمالي، حيث سيجد المزارعون في البرازيل والولايات المتحدة أنفسهم يتنافسون على الكميات نفسها من الوقود اللازم لتشغيل المعدات الزراعية ووسائل النقل.
قدرة أقل على تعويض النقص
أصبحت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة المورد الرئيس للديزل إلى أوروبا، خصوصاً بعد اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وتوقف الواردات الروسية، إلا أن زيادة الطلب من أمريكا اللاتينية قد تدفع واشنطن إلى إعادة توجيه جزء من صادراتها بعيداً عن الأسواق الأوروبية.
وهناك تحذيرات من أن كل شحنة تتجه إلى البرازيل أو غيرها من الأسواق الناشئة تعني إمدادات أقل لأوروبا، في وقت تعاني فيه مخزونات الديزل الأمريكية ومراكز التخزين الأوروبية، ولا سيما في منطقة أمستردام وروتردام وأنتويرب، من مستويات أدنى من المعدلات التاريخية لهذا الوقت من العام.
في المقابل، يبقى الرهان على زيادة صادرات الوقود الصينية محدوداً، فتخفيف بكين قيود تصدير المنتجات النفطية خلال يوليو قد لا يستمر في أغسطس، خصوصاً إذا استمرت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أو ارتفع الطلب المحلي، ما يقلص فرص حصول الأسواق العالمية على إمدادات إضافية من آسيا.
بذلك، تبدو سوق الديزل العالمية مقبلة على مرحلة تتسم بارتفاع مستويات التقلب، واستمرار الضغوط على الأسعار، ما لم تشهد الإمدادات العالمية تحسناً ملموساً أو تنحسر المخاطر الجيوسياسية التي باتت تشكل أحد أبرز محركات أسواق الطاقة خلال الفترة الحالية.













