تراجعت أسعار النفط في الآونة الأخير، لكن هذا لا يعني أن أزمة مضيق هرمز طُويت. ما يحدث الآن أقرب إلى انتقال من ذروة الخوف العسكري إلى معركة أكثر تعقيداً حول إدارة الممر نفسه: من يحدد مسارات العبور؟ وهل تبقى الملاحة في المضيق حقاً مفتوحاً للسفن التجارية، أم تتحول الرسوم والخدمات والتأمين إلى أدوات جديدة لفرض النفوذ على أحد أكثر الممرات حساسية في الاقتصاد العالمي؟
في ظاهر المشهد، تبدو الأسواق أكثر اطمئناناً. حركة الناقلات عبر هرمز تحسنت، وخرجت شحنات نفطية كبيرة خلال الأيام الأخيرة، بينما تراجعت الأسعار إلى مستويات قريبة مما كانت عليه قبل اتساع الحرب مع إيران. لكن هذا الهدوء السعري يخفي توتراً سياسياً وقانونياً لا يقل أهمية عن المخاوف العسكرية السابقة. فالنفط قد يهبط عندما تتحرك الناقلات، لكن سؤال السيطرة على المضيق لا يهبط معه.
هنا تحديداً جاءت تحذيرات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو من أن فرض رسوم عبور في هرمز قد يفتح الباب أمام “فوضى عارمة” في الممرات الدولية. الرسالة الأمريكية ليست تقنية ولا تجارية فقط. واشنطن تريد منع سابقة يمكن أن تنتقل، وفق منطقها، إلى ممرات بحرية أخرى: إذا قبل العالم بأن تفرض دولة رسوماً على ممر دولي لأنه يمر قرب مجالها الجغرافي، فإن النظام الملاحي العالمي كله يصبح قابلاً لإعادة التفاوض تحت الضغط.
السوق تسبق السياسة
تتحرك أسواق الطاقة عادة أسرع من الدبلوماسية. يكفي أن تظهر مؤشرات على انسياب الشحنات حتى يبدأ المتعاملون في خفض علاوة المخاطر. وهذا ما حدث مع هرمز، فالأسعار لم تنتظر اتفاقاً نهائياً بين واشنطن وطهران، ولا تسوية كاملة حول البرنامج النووي أو العقوبات أو مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة. السوق استجابت أولاً لحركة الناقلات، لا إلى مضمون التفاهم السياسي.
هذه الاستجابة مفهومة، لكنها ناقصة. فهبوط النفط يعني أن السوق ترى أن السيناريو الأسوأ لم يقع، أو أنه تأجل، لا أن بنية الخطر اختفت. مضيق هرمز ليس ممراً عادياً يمكن تقييمه بعدد السفن العابرة فقط. إنه نقطة اختناق عالمية تتقاطع فيها الطاقة، والأمن البحري، والقانون الدولي، والتنافس الأمريكي ـ الإيراني، ومصالح دول الخليج.
الفرق هنا جوهري. الأزمة لم تعد مجرد سؤال: هل ستغلق إيران المضيق؟ بل صارت سؤالاً أوسع: هل تستطيع طهران، بعد الحرب، تثبيت صيغة جديدة لإدارة العبور؟ وإذا لم تفرض رسوماً مباشرة، فهل يمكن أن تظهر المسألة تحت مسميات أخرى مثل خدمات ملاحية، أو ترتيبات سلامة، أو تنسيق إلزامي، أو تكلفة تشغيل وإدارة؟
هذا هو الخطر الذي التقطه روبيو. فالمشكلة ليست في قيمة أي رسم محتمل، بل في المبدأ. قبول الرسوم يعني، في القراءة الأمريكية، فتح ثغرة في قاعدة حرية العبور في الممرات الدولية، ومنح الدول المشاطئة قدرة على تحويل الجغرافيا إلى أداة جباية أو ضغط سياسي.
عُمان تدخل على خط إدارة الممر
إعلان عُمان فتح ممر مؤقت جديد قرب سواحلها أضاف طبقة حساسة إلى المشهد. مسقط لم تقدم نفسها كطرف تصعيد، بل كضامن عملي لاستمرار الملاحة، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، ومن دون رسوم عبور. هذه الصيغة تخدم صورة عُمان التقليدية كوسيط هادئ، لكنها في الوقت نفسه تطرح معادلة جديدة: إذا كان بإمكان مسقط، بحكم موقعها الجغرافي، أن تتيح ممراً آمناً ومنظماً، فهل تتراجع قدرة إيران على احتكار تعريف “المسارات الشرعية” في المضيق؟
رد الحرس الثوري الإيراني كشف حساسية هذا السؤال. طهران حذّرت السفن من استخدام مسارات لم تُنسّق معها، واعتبرت أن الملاحة خارج الممرات التي تحددها قد تكون خطرة أو غير مقبولة. بهذا المعنى، لم يكن الاعتراض الإيراني على المسار الجديد مسألة ملاحية فقط، بل دفاعاً عن موقع سياسي داخل معادلة هرمز: من يملك حق القول إن هذا المسار آمن وذاك غير آمن؟ ومن يحدد شروط العبور بعد الحرب؟
لا ينبغي تضخيم المسألة بوصفها صراعاً مباشراً بين إيران وعُمان. مسقط حريصة تقليدياً على تجنب هذا النوع من الاصطفاف، وطهران تدرك أهمية القناة العُمانية في أي تفاوض إقليمي. لكن من الناحية العملية، هناك تباين واضح في المرجعية: عُمان تتحدث عن حرية الملاحة وممر منسق دولياً بلا رسوم، بينما تريد إيران الحفاظ على دورها كطرف لا يمكن تجاوزه في تنظيم العبور.
هذا التباين هو جوهر القصة. فالمضيق لم يعد مجرد مساحة جغرافية بين ضفتين. أصبح اختباراً لما بعد الحرب: هل تنتج التسوية نظام عبور مفتوحاً ومسنوداً بتفاهمات دولية، أم تمنح إيران أداة نفوذ مؤجلة يمكن استخدامها بعد انتهاء الفترة الانتقالية؟
الرسوم..قنبلة مؤجلة
الاتفاق المبدئي بين واشنطن وطهران فتح نافذة تفاوضية محدودة، تشمل وقف الأعمال العدائية وضمان حرية المرور في هرمز خلال فترة انتقالية. لكن هذه النافذة نفسها تكشف هشاشة التفاهم. فالسؤال الحقيقي ليس ما يحدث خلال الفترة الأولى، بل ما الذي سيحدث بعدها؟
إذا كانت إيران تقبل مؤقتاً بعبور حر من دون رسوم، فهذا لا يعني أن ملف إدارة المضيق أغلق. وإذا كانت واشنطن ترفض الرسوم من حيث المبدأ، فهذا يعني أن هرمز قد يتحول إلى عقدة مركزية في أي اتفاق نهائي، إلى جانب العقوبات والبرنامج النووي والضمانات الأمنية.
من هنا يمكن فهم حدة الموقف الأمريكي. روبيو لم يرفض الرسوم باعتبارها عبئاً مالياً على الشحن فقط، بل باعتبارها سابقة سياسية وقانونية تهدد النظام الملاحي الدولي. وفي المقابل، تنظر طهران إلى هرمز باعتباره واحدة من أهم أوراق القوة التي امتلكتها خلال الحرب. ومن الصعب تصور أنها ستقبل، في مفاوضات ما بعد الصراع، بالتخلي عن هذا النفوذ من دون مقابل سياسي أو أمني.
النتيجة أن الاتفاق المبدئي يحمل داخله نقطة تفجير مؤجلة. قد ينجح في خفض أسعار النفط الآن، وقد يسمح بخروج السفن العالقة، وقد يمنح الدبلوماسية وقتاً إضافياً. لكنه لا يجيب بعد عن السؤال الأهم: هل سيكون هرمز ممراً دولياً مفتوحاً وفق قواعد عامة، أم ممراً مفتوحاً بشروط قابلة للتفاوض كلما تبدل ميزان القوى؟















