الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

مسار نضالي

رحيل جعفر إينال.. الجزائر تودع أحد آخر شهود جيل الثورة والصمود الثقافي

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

لم يكن رحيل المجاهد والصحافي والفنان جعفر إينال، عن عمر ناهز التاسعة والثمانين، مجرد فقدان اسم من الأسماء التي واكبت بدايات الدولة الوطنية، بل كان رحيل أحد آخر الشهود على جيل استثنائي آمن بأن الثورة لا تنتهي باسترجاع الأرض، وإنما تواصل مسارها ببناء الوعي والثقافة والذاكرة. لذلك، فإن استحضار مسيرته اليوم لا ينبغي أن يقتصر على تعداد المناصب أو استعادة محطات حياته، بل يتيح فرصة لإعادة قراءة تلك اللحظة التي اجتمع فيها الكاتب والصحافي والرسام والمناضل داخل مشروع وطني واحد.

ولد مصطفى إينال (اشتهر باسمه الثوري “جعفر”) في تلمسان سنة 1937، والتحق وهو شاب بصفوف جيش التحرير الوطني، قبل أن يصاب في المعارك وينتقل للعلاج، ثم يوفد إلى موسكو للدراسة بقرار من الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. غير أن فهم مساره الثقافي يقتضي العودة إلى اسم آخر لا يقل أهمية في تاريخ العائلة، هو شقيقه الأكبر الشهيد سيد أحمد إينال، أحد الوجوه البارزة في الحركة الطلابية الجزائرية بفرنسا والمناضل في صفوف الحزب الشيوعي الجزائري، الذي استشهد سنة 1956 بعد تعذيب وحشي على يد قوات الاستعمار، إثر إصراره على حماية رفاقه وإتلاف وثائق الثورة قبل وقوعها في يد الجيش الفرنسي.

لم يكن استشهاد سيد أحمد إينال حدثًا عابرًا في ذاكرة رفاقه، فقد ترك أثرًا عميقًا في أوساط المناضلين الجزائريين وأصدقائهم الفرنسيين. ومن بين أكثر الشهادات تأثيرًا ما كتبته الشاعرة والمناضلة الفرنسية آنا غريكي، التي كانت تعرفه منذ سنوات الدراسة في باريس، حين رثته في قصيدتها “بسبب لون السماء” (À cause de la couleur du ciel)، مستحضرةً مأساة رحيله وما مثله من رمز لجيل دفع حياته ثمنًا للحرية. وتكشف هذه الشهادة أن سيد أحمد إينال لم يكن مجرد اسم في سجل الشهداء، بل شخصية تركت بصمتها في الوجدان الإنساني والثقافي لمن عرفوه، وهو الإرث الذي حمل مصطفى إينال جزءًا منه في مساره النضالي والثقافي بعد الاستقلال.

حين احتضنته ذاكرة الكبار

كان سيد أحمد إينال قد نسج، خلال سنوات نشاطه في فرنسا، علاقات وثيقة مع عدد من المثقفين والمناضلين الذين أصبحوا لاحقًا من أبرز وجوه الثقافة الجزائرية، وفي مقدمتهم كاتب ياسين، ومحمد إسياخم، وهنري علاق، وعبد الحميد بن زين. وعندما التقى مصطفى إينال بعد الاستقلال بهذه الأسماء في باريس، لم يكن غريبًا أن يجد بينهم امتدادًا لعلاقة بدأت مع شقيقه الشهيد، وهو ما اعترف به في أكثر من شهادة حين أكد أن هؤلاء احتضنوه وفاءً لذاكرة سيد أحمد إينال.

بعد الاستقلال، التحق مصطفى إينال بجريدة “الجزائر الجمهورية”، التي لم تكن آنذاك مجرد مؤسسة إعلامية، بل فضاءً التقت فيه الصحافة بالأدب والفن والفكر. هناك عمل إلى جانب عبد الحميد بن زين وهنري علاق وكاتب ياسين، بينما جمعته بالفنان محمد إسياخم صداقة تجاوزت حدود الزمالة، ليصبح لاحقًا أحد أهم جامعي أعماله والمدافعين عن إرثه، مساهمًا في تنظيم المعارض وإنجاز الدراسات التي أعادت الاعتبار إلى أحد أبرز رواد الفن التشكيلي الجزائري.

النضال.. إرث عائلي

إذا كان كثيرون يتذكرون مصطفى إينال باعتباره صحافيًا أو رسام كاريكاتير، فإن مساره يكشف في الحقيقة عن نموذج مختلف للمثقف الجزائري الذي تشكل في السنوات الأولى للاستقلال؛ جيل لم يكن يفصل بين الكلمة والصورة، ولا بين الثقافة والنضال، بل كان يرى في الصحافة والفن امتدادًا طبيعيًا لمعركة التحرير وبناء الدولة.

ولعل ما يمنح هذه السيرة بعدًا إنسانيًا إضافيًا هو أن هذا الإرث لم يتوقف عند مصطفى إينال، فقد ارتبط اسم ابنته الراحلة سعاد إينال بعالم الكتاب والمكتبات والعمل الثقافي، وأسهمت من خلال جمعية “أصدقاء عبد الحميد بن زين” في تنظيم الندوات وإطلاق جائزة تحمل اسم خالها، كما أشرفت على إصدار كتاب “رسائل إلى زليخة” الذي جمع رسائل والدتها زليخة بن زين، شقيقة المجاهد والصحافي عبد الحميد بن زين، خلال فترة اعتقالها في سجن بربروس إبان الاستعمار. وكأن هذه الأسرة كتبت، عبر ثلاثة أجيال، فصلًا متصلًا من العلاقة بين الثورة والثقافة والذاكرة.

إن رحيل مصطفى إينال لا يدعونا فقط إلى استذكار مسيرة رجل جمع بين البندقية والريشة والقلم، بل يحثنا أيضًا على إعادة الالتفات إلى جيل كامل أسهم في بناء الحياة الثقافية الجزائرية بعد الاستقلال، وإلى مؤسسات كانت فضاءات لإنتاج الأفكار بقدر ما كانت منابر للإعلام. برحيل أمثال مصطفى إينال، لا تغيب أسماء صنعت التاريخ فحسب، بل تتناقص الذاكرة الحية التي عاشت تلك اللحظة التأسيسية وأسهمت في صنعها، لتبقى مسؤولية حفظها ونقلها إلى الأجيال الجديدة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.