بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

مقالات مشابهة

سينما

رحيل الممثل النيوزيلاندي سام نيل… عالم الديناصورات يودّع آخر حُرّاس الدهشة

بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر
بقلم محرّر الشؤون الثقافية: حمّوش أبوبكر

لم يكن سام نيل من أولئك الممثلين الذين يصنعون مجدهم بالصخب، ولا من نجوم هوليوود الذين يعيشون على وهج الشهرة العابرة. بل كان من الفنانين النادرين الذين يضفون على الشخصيات روحًا هادئة وعميقة، فتظل حاضرة في ذاكرة الجمهور حتى بعد أن تُطوى الشاشة ويُسدل الستار.

برحيله عن عمر ناهز الثامنة والسبعين، تفقد السينما العالمية أحد أكثر ممثليها رصانة وصدقًا، ويودّع عشاق الفن السابع الرجل الذي سيظل اسمه مقترنًا إلى الأبد بـ«الدكتور آلان غرانت»، عالم الحفريات الذي قاد ملايين المشاهدين إلى عالم الديناصورات في واحدة من أكثر السلاسل السينمائية تأثيرًا في تاريخ السينما.

أعلنت عائلة الممثل النيوزيلندي نبأ وفاته في مدينة سيدني الأسترالية، حيث أسلم الروح محاطًا بأفراد أسرته، من دون الكشف عن سبب الوفاة، مؤكدة أنه كان قد تعافى في الفترة الأخيرة من سرطان الدم الذي أُصيب به عام 2022. وكأن القدر أراد أن يمنحه وقتًا إضافيًا ليختتم رحلته بهدوء، بعد معركة طويلة خاضها بشجاعة وصمت، بعيدًا عن استعراضات النجوم.

ولد سام نيل ليصبح أحد أكثر الوجوه احترامًا في السينما الناطقة بالإنجليزية، لكن القدر كان يخبئ له موعدًا استثنائيًا مع التاريخ عندما اختاره ستيفن سبيلبرغ لتجسيد شخصية عالم الحفريات الدكتور آلان غرانت في فيلم Jurassic Park عام 1993. لم يكن الفيلم مجرد نجاح جماهيري ساحق، بل تحول إلى علامة فارقة أعادت تعريف سينما المغامرة والمؤثرات البصرية، فيما أصبح نيل، بابتسامته الواثقة ونظرته المتأملة، رمزًا لعالم يلتقي فيه العلم بالخيال والإنسان بالمجهول.

ولم يكن غريبًا أن يعود إلى الشخصية نفسها في Jurassic Park III ثم في Jurassic World Dominion، فبدا حضوره أشبه بجسر يربط بين جيلين من عشاق السلسلة، ويؤكد أن بعض الشخصيات لا تشيخ لأنها تحولت إلى جزء من الذاكرة الجماعية.

غير أن اختزال مسيرة سام نيل في عالم الديناصورات فيه قدر كبير من الظلم لمسار ممثل امتدت رحلته لأكثر من خمسة عقود، وضم رصيده ما يزيد على مئة وخمسين عملًا تنقل خلالها بسلاسة بين السينما والتلفزيون، وبين البطولة المطلقة والأدوار المركبة التي لا تُقاس بحجم ظهورها على الشاشة، بل بعمق أثرها.

شارك في الفيلم الرائع The Piano، أحد أهم أفلام التسعينيات والحائز ثلاث جوائز أوسكار، وترك بصمته في The Hunt for Red October و Dead Calm و Event Horizon وThe Dish و Peter Rabbit، كما قدّم أداءً استثنائيًا في فيلم Hunt for the Wilderpeople للمخرج تايكا وايتيتي، مؤكدًا في كل مرة قدرته على الانتقال بين الدراما والكوميديا والتشويق من دون أن يفقد صدقه أو حضوره الإنساني.

وعلى شاشة التلفزيون، أثبت سام نيل أن موهبته لا تعرف حدود الوسيط الفني. فقدّم شخصية الميجور تشيستر كامبل في Peaky Blinders، وشارك في أعمال ناجحة مثل The Tudors و The Twelve، فيما نال ترشيحًا لجائزة «غولدن غلوب» عن أدائه في مسلسل Reilly, Ace of Spies، ليؤكد أن حضوره ظل متجددًا حتى في العقود الأخيرة من حياته.

ما ميّز سام نيل لم يكن فقط تنوع أدواره، بل ذلك الهدوء الذي كان يحمله معه إلى الشاشة. لم يكن ممثلًا يسعى إلى ابتلاع الكاميرا، بل إلى إقناعها. كان يؤدي أدواره بثقة من يعرف أن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى المبالغة، وأن الشخصية تُبنى بالتفاصيل الصغيرة أكثر مما تُبنى بالخطب والانفعالات الصاخبة.

ولذلك ظل محبوبًا لدى زملائه قبل جمهوره، ونال خلال مسيرته عددًا كبيرًا من الجوائز والتكريمات، كان أبرزها منحه لقب «سير» في نيوزيلندا عام 2022، تقديرًا لإسهاماته الاستثنائية في الثقافة والفنون، وهو تكريم لم يكن سوى اعتراف متأخر بقيمة فنان جعل من الاحتراف أسلوب حياة.

برحيل سام نيل، لا تغيب شخصية سينمائية وحسب، بل يختفي وجه من الوجوه التي رافقت تحولات السينما الحديثة، منذ أفلام الثمانينيات وصولًا إلى عصر المنصات الرقمية. وستظل صورته، وهو يقف مذهولًا أمام أول ديناصور يراه في Jurassic Park، واحدة من أكثر لحظات السينما رسوخًا في ذاكرة الأجيال.

لقد رحل الرجل، لكن ذلك الطفل الذي أيقظه في داخل ملايين المشاهدين، وهو يفتح بوابة الحديقة للمرة الأولى، سيظل حيًا. وهذه، في النهاية، هي المعجزة الوحيدة التي يستطيع الفن أن يحققها: أن يهزم الزمن، وأن يمنح أصحابه حياةً ثانية لا تنتهي مع إسدال الستار.