بقلم محرر الشؤون الثقافية: جيرار لوغرود
بقلم محرر الشؤون الثقافية: جيرار لوغرود

مقالات مشابهة

ثقافة

رحيل أحمد أبو دهمان.. الفتى الجنوبي الذي مدّ جسراً من الحكايات بين جبال عسير وأنوار باريس

بقلم محرر الشؤون الثقافية: جيرار لوغرود
بقلم محرر الشؤون الثقافية: جيرار لوغرود

في تلك المساحة الفاصلة بين ضباب جبال السروات الشاهقة جنوب المملكة العربية السعودية، وبين مقاهي الحي اللاتيني العتيقة في باريس، انطفأت شمعة فريدة في تاريخ الأدب العربي والفرانكفوني. رحل الروائي والأديب السعودي أحمد أبو دهمان، تاركاً خلفه إرثاً لم يُكتب بالحبر فحسب، بل نُحت في ذاكرة ثقافتين مختلفتين، موحداً إياهما برباط إنساني وثيق أطلق عليه اسم “الحزام”.

لم يكن أحمد أبو دهمان مجرد كاتب عبر الحدود، بل كان هو ذاته “الحدود” التي تلاشت. فتى قرية “آل خلف” في عسير، الذي تشربت روحه الحكايات الشفهية القديمة، وأهازيج الزراعة، وقسوة الجبل وحنانه، قرر في لحظة فارقة من حياته أن يحمل هذه الذاكرة المحلية جداً، ويلقي بها في قلب العاصمة الفرنسية، ليس كسائح، بل كصانع للدهشة.

المعجزة الفرنسية لفتى الجنوب

حين صدرت روايته “الحزام” (La Ceinture) عام 2000 عن دار “غاليمار” الفرنسية العريقة، لم يكن الحدث مجرد إصدار كتاب جديد. كانت سابقة ثقافية مدوية. كاتب سعودي، قادم من بيئة محافظة وغنية بالموروث الشعبي، يختار ألّا يكتب بلغته الأم، بل يكتب مباشرة باللغة الفرنسية، لغة فلوبير وبروست، وبأسلوب شعري عذب أذهل النقاد الفرنسيين أنفسهم.

في “الحزام”، لم يقدم أبو دهمان للقارئ الفرنسي الصور النمطية المستهلكة عن السعودية والخليج؛ لم يتحدث عن آبار النفط أو المدن الزجاجية الحديثة. لقد فعل ما هو أعمق وأخطر؛ عاد بهم إلى الجذور. أخذ بيد القارئ الباريسي ليمشي معه في أزقة قريته الطينية، ليعرّفه على وجه أمه، وحكمة والده، وطقوس الختان، ومفهوم “الحزام” الذي يرمز للقوة والانتماء والرجولة في عرف القبيلة.

لقد اكتشف القارئ الغربي، ربما للمرة الأولى، أن الألم الإنساني واحد، وأن الفرح واحد، وأن طفل جبال عسير لا يختلف في جوهره عن طفل الريف الفرنسي. لقد أنسن أبو دهمان “الآخر” الذي كان مجهولاً، وحوّل التراث المحلي الضيق إلى حكاية عالمية واسعة.

جسر من كلمات.. لا من حجر

يقول النقاد إن أحمد أبو دهمان، وعبر “الحزام” وكتاباته اللاحقة (مثل عموده الشهير “كلام الليل” في جريدة الرياض)، قام بما تعجز عنه الدبلوماسية التقليدية. لقد بنى جسوراً متينة بين المملكة العربية السعودية والعالم الفرانكفوني.

كان أبو دهمان يقف في المنتصف تماماً. في باريس، كان صوتاً أصيلاً للجنوب السعودي، مدافعاً عن ثقافته عبر شرحها وتفكيكها لا عبر تجميلها. وفي الرياض، كان نافذة تطل على التنوير الفرنسي، ناقلاً لقرائه العرب جماليات تلك الثقافة دون أن يفقد هويته.

لقد أثبتت تجربته نظرية أدبية خالدة: “كي تكون عالمياً، يجب أن تكون غارقاً في محليتك”. فكلما تعمق أبو دهمان في وصف تفاصيل قريته الصغيرة، كلما اتسعت رقعة قرائه حول العالم، حيث تُرجمت الرواية لاحقاً إلى لغات عديدة، وعادت إلى لغتها الأم، العربية، لتُقرأ بنكهة مختلفة، نكهة الحنين الذي تعمّق بالغربة.

الوداع الأخير

اليوم، يترجل الفارس الذي ارتدى “حزام” الكلمات. يعود أحمد أبو دهمان إلى تراب الوطن الذي حمله في قلبه وحقائبه لعقود. قد يغيب الجسد، لكن الجسر الذي بناه سيظل قائماً، وستظل رواية “الحزام” وثيقة تاريخية وإنسانية تشهد على أن الأدب الصادق قادر على اختراق كل الحواجز، وأن حكاية بسيطة من قرية نائية قادرة على أن تدفئ قلوب العالم بأسره.