برحيل إيلين مختفي في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الجاري، تفقد الجزائر واحدة من الأصوات الأجنبية التي لم تكتفِ بمساندة ثورتها، بل اختارت أن تجعل من قضيتها جزءًا من مسار حياتها.
انخرطت إيلين كلاين، الأمريكية التي أصبحت لاحقًا إيلين مختفي، في دعم الثورة الجزائرية في وقت مبكر قبل الاستقلال نهاية الخمسينيات، ثم عاشت في الجزائر المستقلة، وشهدت مرحلة تحولت فيها البلاد من أرض تخوض معركة التحرر إلى فضاء مفتوح أمام حركات التحرر القادمة من مختلف أنحاء العالم.
لكن رحيلها لا يستدعي سيرة امرأة اختارت الجزائر فحسب، بقدر ما يعيد طرح سؤال أكبر حول الثورة التي استطاعت أن تستقطب، خارج حدودها، هذا الطيف من المثقفين والمناضلين، إلى درجة أن بعضهم لم يكتفِ بمساندتها، بل غيّر مسار حياته بسببها. فما الذي جعل الثورة الجزائرية قادرة على إنتاج هذا التضامن العابر للحدود، وكيف انتقلت الجزائر من بلد كان العالم يتضامن مع ثورته إلى بلد يأتي إليه العالم طلبًا للتضامن؟
تضامن ثم انتماء
التقت إيلين كلاين، المولودة في نيويورك سنة 1928، في أكرا بغانا، بـفرانتز فانون، الذي كان يومها أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الثورية الجزائرية، قبل أن تعمل لاحقًا في نيويورك ضمن شبكة الدعم للوفد الجزائري لدى الأمم المتحدة، إلى جانب محمد سحنون وعبد القادر شندرلي ورؤوف بودجاقدجي، في معركة دبلوماسية هدفت إلى كسب التأييد الدولي لاستقلال الجزائر.
بعد الاستقلال، استقرت إيلين في الجزائر العاصمة، وعملت صحفية ومترجمة في وكالة الأنباء الجزائرية، قبل أن تلتقي سنة 1972 بالمناضل الجزائري مختار مختفي، عضو جيش التحرير الوطني سابقًا، الذي كان قد التحق بالثورة سنة 1957، ثم واصل نشاطه السياسي والفكري في الجزائر المستقلة. كان اللقاء صدفة في أحد شوارع العاصمة، لكنه جمع مسارين ارتبطا بالجزائر وبفكرة التحرر، وانتهى بزواج وشراكة فكرية وسياسية امتدت لعقود.
قبل أن تحمل لقب “مختفي” بعد الزواج؛ قطعت إيلين المسافة بين نيويورك وأكرا والجزائر، من موقع المتضامنة مع الثورة إلى موقع المنخرطة في بعض دوائرها، ثم اختارت أن تعيش في الجزائر المستقلة، وكان لهذا القرار أكثر من دلالة، بل يحيل على سؤال جوهري، وهو كيف استطاعت الثورة الجزائرية أن تجعل التضامن معها يتحول لدى بعض مناصريها، إلى انتماء ومسار حياة؟
القدرة على إنتاج التضامن
لم تكن الثورة الجزائرية تبحث فقط عن التعاطف، بل استطاعت أن تجعل قضية الاستقلال تتجاوز حدود الجزائر، وتلامس سؤالًا أوسع حول الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ولهذا وجد فيها مثقفون ومناضلون أجانب أكثر من مجرد حرب تجري في مستعمرة فرنسية؛ بل اختبارًا لمبادئ الحرية والعدالة التي كانوا يدافعون عنها.
كان فرانتز فانون النموذج الأكثر وضوحًا لهذا الانتقال من التعاطف إلى الانخراط. الطبيب والمفكر القادم من المارتينيك، الذي عمل في مستشفى البليدة، لم يكتف بكتابة نقد للاستعمار، بل التحق بالثورة، وعمل في صفوفها دبلوماسيًا ومبعوثًا لـ”جبهة التحرير الوطني”. بالموازاة مع ذلك، انتقل فرانسيس جانسون ومجموعة ممن يُعرفون بـ”حاملي الحقائب” من الموقف الفكري إلى الفعل المباشر، عندما اختاروا مساعدة شبكات الثورة على الأراضي الفرنسية، مدركين أن التضامن قد تكون له كلفة قانونية وشخصية.
أما جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار، فقد جعلا من الكتابة والموقف العلني وسيلة لمواجهة الرواية الاستعمارية. سارتر كتب ضد الحرب الاستعمارية ودافع عن حق الجزائريين في الاستقلال، فيما أتاحت مجلة “الأزمنة الحديثة”، التي كان يديرها، مساحة للقضية الجزائرية في قلب النقاش الفكري الفرنسي.
وفي ميدان آخر، دفعت جيزيل حليمي وجاك فيرجيس ثمن مواقفهما من داخل قاعات المحاكم، بالدفاع عن المناضلين الجزائريين، وتحويل المحاكمة نفسها إلى فضاء لكشف طبيعة النظام الاستعماري. بينما كان هنري علاق، الصحافي الذي اعتقل وعُذّب في الجزائر، يوثق من داخل التجربة ما كان يجري، في حين أصبح اسم موريس أودان رمزًا لقضية تجاوزت شخصه لتكشف حقيقة القمع الاستعماري.
هكذا لم يكن التضامن مع الثورة الجزائرية واحدًا في أشكاله: فانون انخرط فيها، وجانسون وشبكته خاطروا من أجلها، وسارتر ودو بوفوار واجها الخطاب الاستعماري بالكلمة، وحليمي وفيرجيس دخلا المعركة من بوابة القضاء، وعلاق وأودان تحولا إلى شاهدين على عنف الاستعمار. اختلاف الأدوار يكشف شيئًا واحدًا، وهو أن الثورة الجزائرية استطاعت أن تنقل قضيتها من خانة “النزاع الفرنسي الجزائري” إلى قضية تحرر إنساني أوسع. ولعل هذا ما يفسر كيف تمكنت ثورة تجري في شمال إفريقيا أن تجد لها صدى في باريس وأكرا ونيويورك، وأن تتحول الجزائر تدريجيًا من قضية يتضامن العالم معها إلى تجربة تلهم تضامنًا مع قضايا تحرر أخرى.
الجزائر قبلة للأحرار
لم ينته الدور الذي لعبته الثورة الجزائرية بانتصارها في سنة 1962، فالدولة التي خرجت من حرب تحرير طويلة، اختارت أن تفتح فضاءها أمام حركات التحرر التي كانت لا تزال تخوض معاركها ضد الاستعمار والعنصرية والتمييز. هكذا تحولت الجزائر العاصمة، خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلى إحدى أهم ساحات التضامن الأممي مع حركات التحرر، حتى بدت، بتعبير إيلين مختفي، “بيتًا مفتوحًا لكل حركات التحرر ولكل الذين يعانون من الظلم”.
في هذا المناخ، لم تعد الجزائر تستقبل فقط ممثلي حركات التحرر الإفريقية، من أنغولا وموزمبيق وجنوب إفريقيا وغيرها، بل احتضنت أيضًا ممثلي القضية الفلسطينية وحركات من أمريكا اللاتينية ومنظمات مناهضة للفاشية في إسبانيا والبرتغال. وكان مهرجان إفريقيا الأول بالجزائر سنة 1969 إحدى اللحظات التي جسدت هذا الدور، حيث كانت إيلين مختفي ضمن الفريق الذي تولى استقبال وفود حركات التحرر الإفريقية، إلى جانب أعضاء “الفهود السود” الأمريكية.
والحقيقة أن أسماء كثيرة أصبحت لاحقًا رموزًا في تاريخ التحرر العالمي، مرّت، مثل الراحلة إلين، بالجزائر. فنيلسون مانديلا، مثلاً، تلقى تدريبًا على العمل العسكري في الجزائر، قبل أن يعود إليها بعد خروجه من السجن، ويعلن أمام الجزائريين: “أنا جزائري”. أما “الفهود السود”، فقد وجدوا في الجزائر فضاءً يستطيعون فيه ممارسة نشاطهم السياسي، بعدما أصبحت عاصمتها نقطة اتصال بين حركات تحرر تتقاطع، رغم اختلاف جغرافياتها، حول رفض الاستعمار والعنصرية والهيمنة. وبذلك تحولت الجزائر من قضية تحتاج إلى مناصرين في العالم، إلى بلد يفتح أبوابه لمن يحتاجون إلى سند في معاركهم من أجل الحرية.
رحلت إيلين مختفي، وتركت وراءها مسارًا يضيء جانبًا مهمًا من تاريخ الجزائر، ويكشف كيف تحولت من ثورة احتاجت يومًا إلى من يقف إلى جانبها، إلى قبلة لمن كانوا يبحثون عن مساحة للحرية. فهل ما يزال هذا الرصيد من التضامن، الذي صنعته الثورة، قابلًا لأن يتحول اليوم إلى قوة ناعمة تستعيد بها الجزائر بعضًا من ذلك الدور؟















