القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

مقالات مشابهة

أدب عربي

رحلة “كائنات المديوكر” في قاعات المؤتمرات ولجان التحكيم ومهرجانات الشعر في أوروبا

القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

قبل أيام التقيت بالشاعر المصري المقيم في بلجيكا عماد فؤاد، وتطرقنا في الحديث إلى كتابه القيّم”على عينك يا تاجر.. سوق الأدب العربي في الخارج.. هوامش وملاحظات”، وهو واحد من سلسلة محدودة الانتشار من الكتب التي لا غنى عنها لأي مهتم بتاريخ الحالة الثقافية المصرية والعربية، فهي بمثابة وثائق شديدة الأهمية على مراحل صعود وهبوط الحياة الثقافية، لا تخجل من تعليق الفأس في رأس كل مدعي ومنافق و”مديوكر”، كما أنها تبقى شاهدة على حيوية الحياة الثقافة، وقدرتها على نقد الذات، ومراجعة الأفكار والتصورات وسلوكيات الأفراد في علاقتها بالفكر والأدب والسياسة والمجتمع، ورؤية ما بالواقع الثقافي من مواطن سوء أو خلل، وقدرتها على تقديم الأصوات التي لا تخشى التهميش أو “الأكتاف غير القانونية” التي يبرع فيها محترفو التزاحم على الفتات.

فعلها من قبل الروائي الكبير مكاوي سعيد في كتابه “مقتنيات وسط البلد” الذي يحكي فيه عن 41 شخصية من ذوي الوجوه المألوفة في جلسات المثقفين أو على أطرافها. بعضهم كان موهوبًا ولكنه فضّل الصعلكة على الموهبة، فيما تكسرت طموحات البعض الآخر بيده، أو بيد غيره، فانطوى على نفسه أو أصابه الجنون أو مات أو ابتعد، وبعضهم آثر السكينة وظل يغرف من حكمة الحياة الصافية.

ومن قبله فعلها أيضًا الكاتب الكبير الراحل سليمان فياض في كتابه “النميمة.. نبلاء وأوباش ومساكين”، والذي قدمه الناقد الفذ الدكتور محمد بدوي بقوله: “في هذا الكتاب الفريد مجموعة من الصور القلمية أو البورتريهات كما كان المؤلف يسميها مثقفون نبلاء حالمون بعالم جديد، مخلصون للكتابة والخلق الفني الأصيل. وآخرون أوباش، لم تمنعهم الثقافة من الكذب والنفاق والقيام بأدوار منافية للثقافة”.. وهو الكتاب الذي ذكر فيه فياض أسماء بعض الشخصيات بوضوح، مثل بهاء طاهر ويحيى حقي ويوسف إدريس وصلاح عبد الصبور، فيما تعمّد عدم ذكر أسماء البعض الآخر، لكنه بطريقة أو بأخرى سهَّل عملية تخمين أصحابها.

حضورٍ باهت بالجسد

كانت نبرة الحزن، التي كست وجه الشاعر عماد فؤاد في بداية جلستنا، وعباراته تحسرًا على ما آلت إليه حال الأوساط الثقافية في مصر والعالم العربي، طبيعية ومفهومة، وكان مفهوماً أيضاً ما تعرض له الكتاب من نفي وإقصاء وعدم متابعة، خصوصًا مع تشعّب وتداخل مناطق عمل أصحاب المصالح والنفوذ، وتعدد شبكات علاقاتهم الخارجية والداخلية، وتضمنها لأسماء عددٍ لا بأس به من محرري الأدب بالصحف القومية والخاصة، مصرية وعربية، وموظفي وزارات الثقافة في عموم البلدان العربية. هؤلاء الذين يحترفون تقديم أنفسهم بوصفهم كتاباً وأدباء ومبدعين ومفكرين، فيما يتفرغ كثير منهم لإدارة الندوات والكلام عن كافة أشكال الإبداع الفني والأدبي، بل والفكري والفلسفي في بعض الأحيان، بحثًا عن حضورٍ باهت بالجسد، لا يضيف إلى أحدٍ شيئًا. 

وهم أنفسهم الذين يفرد لهم عماد فصلًا كاملًا من كتابه تحت عنوان “في مديح كائن الميديوكر النشط”، وهو الفصل الذي يبدأه موضحًا: “على الرّغم من السّمعة السّيئة لكلمة “مديوكر”، والتي بدأت تنتشر أخيرًا بين أوساط المثقّفين، عرباً وغربيّين، باعتبارها سبّة، إلا أنّني أكتب هذه السّطور اليوم، على خلاف المعتاد، لمديح كائن “المديوكر” النّشط، فقير الموهبة الدّؤوب، الذي لم يقف صامتًا حيال فقر موهبته، أو انعدامها الجلي، بل عمل على إيجاد مكانة لها وسط مواهب الآخرين، بإصرار وبأس يحسد عليهما”. 

ثم ينتقل إلى تعريفات هذا الكائن المدهش بقوله: “تُعرّف معاجم اللغات كلمة “mediocre” بـ “الاعتياديّ” و”العاديّ” و”المتوسّط”، كما تُعرّف كلمة “Mediocrity” كمفهوم اجتماعي بـ”الضّحالة” أو “التّفاهة”. إذن فكلمة “مديوكر” لا تُطلق هنا على الشّخص صاحب “الموهبة” العاديّة، بل على أصحاب “الأداء” المتوسط أو العادي أو الضحل. 

وأضاف: “برغم هذا المستوى العادي في الأداء وقلة الموهبة، نجدهم متواجدين بكثافة في أي مشهد، فهم الفئة الليّنة سهلة التّشكّل وفق أمزجة من يتربّعون على مراكز القوى، القادرون على تقديم المتوقّع منهم دون زيادة أو نقصان. الفئة التي قبلت بأن يتم تعليبها فتسليعها وفق تواريخ صلاحيّة محدّدة، والتي بنت حضورها بالإصرار على طرق الأبواب وطلب ما لا تستحقّه. وبسبب من هذا الإصرار على الطّلب والسّعي الدّائم للعثور على أماكن بارزة لأقدامهم وسط الآخرين، حصلوا على تواجدهم في الصّورة”.

عندما يتبوأ التافهون مواقع السلطة 

ينقل عماد عن كتاب “نظام التّفاهة”، للفيلسوف الكندي آلان دونو أستاذ الفلسفة والعلوم السّياسية في جامعة كيبيك الكنديّة، قوله: “ما جوهر كفاءة الشخص التافه؟ إنّه القدرة على التعرف على شخصٍ تافهٍ آخر، معًا، يدعم التافهون بعضهم البعض، فيرفع كلّ منهم الآخر، لتقع السّلطة بيد جماعةٍ تكبُر باستمرار”، وصولًا إلى واقع الأمر هنا وهناك. كتب دونو: “لقد تبوّأ التّافِهون موقع السّلطة.. بهذا المعنى؛ فإن المديوكر هو أكثر أعداء التّغيير، يدرك، قبل الآخرين، أنّه ليس موهوبًا، لكنّه يستعيض عن قلّة الموهبة هذه بالاجتهاد المستمرّ، فيما تتكوّن في ذهنه يوماً بعد يوم هالة كبيرة عن ذاته وعما يقدّمه من ضحالة، ومن ثمّ يكون من الصّعب على أيٍّ كان أن يقنعه بغير ما يظنّه عن نفسه، ستجده يعادي كلّ من يخالفه الرّأي أو ينتقد عمله بشكل مباشر، فيما يكون الموهوب دائم الشّك في موهبته لأنه مؤمن بأنّ ما يقدّمه من إبداع لن يُرضي الجميع، ولن تجده يتكلّم عن ذاته بالثّقة اللامتناهية التي يملكها فقير الموهبة”. 

وأضاف: “الموهوب شخص يشكّ في ذاته أصلاً وفيما يقدّمه من إبداع، كائن موسوس رهين شك وقلق دائمين، ولأنّه أبعد ما يكون عن نعمة اليقين الواثق التي يتمتّع بها فقير الموهبة، تجده منصتاً لنقد وملاحظات الآخرين كي يتعلّم، ما يجعله دائم التطوير من نفسه ومن أدواته. أمّا المديوكر فلا يطوّر من نفسه لأنّه لا يملك فضيلة الإنصات، ستجده يجترّ ما قدّم عشرات المرّات، يدور في ساقية وعلى عينيه عصابة تمنعه من رؤية المكان الذي يدوس فيه، فقط يدور، مؤمناً بينه وبين نفسه أنّه يتحرّك.. وأنّه ينجز.. وأنّه يتقدّم”.

يوضح عماد منطلقاته للدخول في هذه الرحلة الشاقة والمكلفة قائلًا: “حين بدأت التّفكير في الكتاب، لم يكن يشغلني سوى سؤال واحد: لماذا تحوّل الوسط الثقافي العربي بشكل عام إلى ساحة من المجاملات المكشوفة في العلن، وساحات للحروب والصّراعات المخجلة في الخفاء؟ ما كنّا نسمعه يُحكى علانية في المجالس والتّجمعات الثقافية العربية، وجدناه يتبدَّل سريعاً في الذي كنّا نقرأه لاحقاً مكتوباً في الصّحف والمنشورات والمنابر.. كأنّ المثقف العربي اليوم صار يخشى مجرّد التعبير عن رأيه صراحة، حتى ولو في أعمال كُتّاب آخرين، سواء أكانوا أكبر منه سنًا أو من مجايليه أو من اللاحقين عليه. فما بالك لو كان عليه خوض معركة نضاليّة أو فكرية في سبيل مبادئه وأفكاره التي يؤمن بها؟!”

الكتابة “تحت الطلب” 

الكتاب صدر أخيرًا في القاهرة وبلجيكا عن دار “ميتافورا” للنشر والتوزيع، وتتبع فيه عماد فؤاد، بهدوء شديد ودأب لا يصيبه ملل، تشكيلات المثقفين العرب في الخارج، وخصوصًا محترفي الكتابة الموجهة للغرب، والتي يؤسس لتسميتها بالكتابة “تحت الطلب” عبر سرد تفصيلي لما تيسر من اعترافات وشواهد ووثائق، وصولًا إلى ما سمّاه باحتكار التمثيل العربي محليًا ودوليًا عبر سلسلة من عمليات “رد الجميل”، تتزعمها شلل ومجموعات مصالح متبادلة، وتتمثل في دعوات المؤتمرات ومشاركات الندوات والترشيحات لمنح الاستضافة المجانية والمدفوعة، وصولًا إلى عضويات لجان تحكيم الجوائز والترجمات ومهرجانات الشعر في أوروبا. 

كما أكد أن مادة كتابه جاءت من قلب الأحداث التي شهد فصولها بشخصه، وتواصل مع أطرافها، وتتبع كتابات البعض، ليخلص إلى فكرة أساسية أظن أنها جديرة بالتوقف والتأمل مفادها: “ليس كل ما يأتي من الغرب جدير بالاهتمام، بل ربما كان أولى بالتجاهل، فأغلبه مصنوع لأهداف محددة مسبقًا، ومعظمه مجرد كتابات لأشخاص تحت الطلب ومترجمون حسب التمويل”. 

وتابع: “ليس كل ما تنتجه ماكينات الترجمة الغربية يصلح للقراءة، فكثير منه لا يمت للأدب بصلة، هو أقرب لجمع القمامة من الشارع، أو “الكيتش” بحسب تعبير واحدة من الحاصلات على درجة الدكتوراة الأمريكية، أو بحسب شهادة أحد شعراء المهجر العربي “لا يصلح حتى للفّ سندويشات الفلافل”. درجات علمية بلا سند ولا احتياج للكفاءة، ونشر بلا مراجعة أو تدقيق، ويتم تمريره تحت بند “طوارئ الترجمة”.

نبذة موجزة عن المؤلف

عماد فؤاد شاعر ومترجم مصري مُقيم في بلجيكا منذ عام 2004. صدرت له العديد من الأعمال الشعريّة، أبرزها “تقاعد زير نساء عجوز”، دار شرقيات 2002، و”بكدمة زرقاء من عضَّة النَّدم”، دار شرقيات 2005، و”حرير”، دار النهضة العربية، بيروت 2007، و”عشر طُرق للتنكيل بجثَّة”، دار الآداب اللبنانية 2010، و”تلك لغة الفرائس المحظوظة”، دار ميريت 2019، فضلًا عن مجموعته الشعرية الأولى “أشباحٌ جرحتها الإضاءة” 1998. كما أصدر روايته الوحيدة “الحالة صفر”، في القاهرة عام 2015.