رغم مرور 70 عاماً على استقلاله في العام 1956، وتمتعه بموارد اقتصادية ضخمة، إلا أن السودان ما زال يغرق في دوامة من الأزمات السياسية والاقتصادية والحروب الدموية التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين. تتفاقم الأوضاع في السودان ظل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، حيث يعيش أكثر من 70% من السكان البالغ تعدادهم 48 مليون نسمة تحت خط الفقر، ويواجه نحو 26 مليوناً خطر الجوع في ظل اتساع رقعة القتال التي تشمل حالياً نحو ثلثي مناطق البلاد.
يحاور موقع “غلوبال ووتش عربية” المهندس عمر الدقير، رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في تحالف القوى المدنية “صمود” – الذي شارك في قيادة انتفاضتي أبريل 1985 وديسمبر 2019 اللتين أسقطتا أطول دكتاتوريتين عسكريتين – للتعرف على أسباب فشل السودانيين في وقف دوامة العنف والتدهور الأمني والإنساني والسياسي المستمرة في البلاد.
منذ استقلال السودان في العام 1956، حكم العسكر البلاد 58 عاماً، اندلعت خلالها 4 حروب دموية آخرها الحرب الحالية، مما يسلط الضوء على دور المؤسسة العسكرية في تأجيج الأوضاع الأمنية، وأسباب عدم استمرار الحكم المدني سوى 12 عاماً متقطعة. وعزا الدقير فشل السودانيين في معالجة الأزمة إلى ثلاثة أسباب لخصها في: طول فترة الحكم العسكري، محاولات تنظيم الإخوان المستمرة لقطع الطريق أمام التحول الديمقراطي، واضطراب العقل السياسي.
جذور الأزمة واضطراب العقل السياسي السوداني
_ هل هنالك عامل مشترك للفشل في كل الحقب السابقة، أم أن الظروف مختلفة كلياً؟
عمر الدقير: تختلف سياقات تجربة الحكم المدني بعد انتفاضة أبريل 1985 عن تجربة الفترة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام عمر البشير، والتي انتهت بانقلاب 25 أكتوبر 2021. ومع ذلك، فإن العامل المشترك بين التجربتين يتمثل في اضطراب العقل السياسي السوداني – الذي لازم مسيرة الحكم الوطني منذ الاستقلال – والانقسامات داخل القوى المدنية، ما أعاق معالجة القضايا الجوهرية لبناء الدولة.
في تجربة أبريل 1985، اتفق قادة التجمع النقابي على فترة انتقالية مدتها خمس سنوات، غير أنها خُفِّضت إلى عام واحد تحت ضغط حزبي الأمة والاتحادي الديمقراطي. ورغم قصر هذه الفترة، نجحت الحكومة الانتقالية في مهمتها الأساسية المتمثلة في تسليم السلطة لحكومة منتخبة. غير أن الفترة الديمقراطية التي أعقبتها شهدت انقسامات ومماحكات سياسية أعجزتها عن معالجة قضايا الأزمة الوطنية.
وعندما لاحت فرصة حقيقية للخروج من هذا المأزق عبر الاتفاقية التي وقعت في العام 1988، بين محمد عثمان الميرغني وجون قرنق، تحركت الجبهة الإسلامية وقطعت الطريق بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989. أما الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر 2018 فقد واجهت تحدياً أشد تعقيداً، إذ ورثت دولة تتبدّى فيها معظم سمات الدولة الفاشلة؛ من بينها فقدان شرعية احتكار السلاح، والتردي الاقتصادي، وإرث سياسات التمكين الذي حوّل السودان إلى “دولة حزب”.
ونُفِّذ انقلاب 25 أكتوبر بواسطة المؤسسة العسكرية بشقّيها، وبتشجيع من قوى النظام المباد. وعندما تمكنت الجماهير من هزيمة الانقلاب وكانوا على وشك استعادة مسار الانتقال عبر الاتفاق الإطاري، سعت قوى النظام المباد إلى رفع وتيرة الصراع بين طرفي المؤسسة العسكرية، بما أسهم مباشرة في اندلاع حرب 15 أبريل 2023.
تعدد المنابر ومستقبل الحل السياسي السلمي
_ لماذا فشلت كل الجهود التي جرت حتى الآن لوقف الحرب؟
لا أعتقد أن من الدقة وصف كل الجهود بأنها فشلت. ما يجري هو تراكم لمحاولات أسهم بعضها في إبقاء أفق الحل السياسي مفتوحاً، وتُوِّجت مؤخراً بتطوير مبادرة الرباعية إلى خطة سلام متكاملة تشمل هدنة وإغاثة وعملية سياسية. في المقابل، تتحمل أطراف القتال المسؤولية بسبب استمرار الرهان على الحسم العسكري.
_ كيف تنظرون للحراك الدولي والإقليمي الحالي، وهل كان تعدد المنابر سبباً في الفشل؟
تعدد المنابر ليس مشكلة في حد ذاته، بل يصبح كذلك حين يعكس تضارب المصالح الإقليمية والدولية. السودان لم يعد ساحة صراع داخلي فقط، بل ساحة تنافس نفوذ ومصالح. نحن لا نرى خلاص السودان في منصة جديدة بقدر ما نراه في مضمون سياسي واضح يقوم على وقف الحرب وفتح طريق الانتقال المدني الديمقراطي.
_ لماذا تركز قيادة الجيش دائماً على محاولة إبعاد المسار السياسي، وهل يمكن بالفعل الوصول إلى حل دونه؟
أي حديث عن مسار أمني معزول عن السياسة هو محاولة لتجميد الحرب لا لإنهائها. الحرب ليست حادثاً أمنياً، بل انفجاراً سياسياً لدولة لم تُبنَ على عقد اجتماعي جامع. وقف إطلاق النار دون مسار سياسي يعني تمديد التفكك لا إنهائه. رؤيتنا تقوم على هدنة إنسانية يعقبها تدخل إغاثي، ثم عملية سياسية جامعة تقود إلى إعادة البناء الوطني.
البنية العميقة للصراع وتوظيف الدين والقبيلة
_ هل تفاجأتم عند سماعكم خبر اندلاع الحرب الحالية؟ وما الذي كان يجب فعله لوقفها؟
لم تكن الحرب مفاجأة كاملة، بل نتيجة منطقية لتراكم الأزمات ولانسداد المسار الانتقالي. كانت هناك مؤشرات واضحة خاصة في ظل نشاط قوى النظام المباد. وكان يمكن الحد من تمددها لو توفرت إرادة سياسية داخلية حاسمة وضغط دولي سريع منذ لحظاتها الأولى.
_ ما هي العوامل البنيوية العميقة التي أدت إلى تفاقم الصراعات بين السودانيين؟
لا يمكن فهم تكرار الحروب في السودان باعتباره صراعاً ظرفياً، بل هو تعبير عن أزمة بنيوية في مشروع الدولة منذ الاستقلال. فقد ورث السودان دولة مكتملة الشكل الإداري، لكنها لم تُبنَ على عقد اجتماعي يحدد معنى المواطنة وعلاقة الدين بالدولة. العوامل واضحة: مركزية السلطة، عسكرة السياسة، وفشل إدارة التنوع الثقافي والإثني.
_ كيف تنظرون إلى دور الدين والهوية القبلية في تأجيج الصراعات؟
المشكلة ليست في الدين كقيم، بل في توظيفه السياسي لاحتكار السلطة. الأزمة تتفاقم حين تُستبدل المواطنة بالانتماءات الضيقة، فيفقد التنوع قيمته ويتحول إلى خط تماس دائم. المعادلة الواقعية هي دولة مدنية محايدة تجاه معتقدات مواطنيها، تقوم على المواطنة المتساوية والفيدرالية.
_ تقدمتم بمناشدة لقيادتي الجيش والدعم السريع لإقرار هدنة إنسانية.. هل تتوقع استجابة؟
إقرار هدنة إنسانية واجب إنساني وقانوني. وحتى إن لم تأتِ الاستجابة فوراً، فإن هذه المناشدة تُبقي البوصلة الأخلاقية في الاتجاه الصحيح. الطريق الوحيد لتحقيق حلم السودانيين هو التوافق على وصفة الخلاص الوطني عبر مسار سياسي سلمي.
سيرة موجزة:
عندما اندلعت انتفاضة أبريل 1985، كان المهندس عمر الدقير على رأس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم الذي ساهم في قيادة حراك الشارع. وتكرر المشهد مع ثورة ديسمبر 2018، والتي لعب فيها حزب المؤتمر السوداني الذي يرأسه الدقير دوراً مؤثراً.
شارك الدقير، القيادي في تحالف القوى المدنية “صمود”، في قيادة انتفاضتي أبريل 1985 وديسمبر 2019 اللتين أسقطتا أطول دكتاتوريتين عسكريتين.















