في الوقت الذي تفتح فيه الجزائر فضاءات للموسيقى الحالية وتمنح أصواتاً وتجارب جديدة مساحة للظهور، تطلق بالتوازي سلسلة “ذاكرة النغم الجزائري” لاستعادة أسماء وأعمال صنعت جزءاً أساسياً من الذاكرة السمعية للجزائريين.
قد يبدو الأمر وكأنه اتجاهان متوازيان، أحدهما ينظر إلى المستقبل والآخر يستعيد الماضي، لكنه في العمق محاولة لبناء علاقة متوازنة بين جيل يتغير ذوقه بسرعة، وذاكرة موسيقية لا تريد الجزائر أن تفرّط فيها استلهاماً ربما من المثل الشعبي المحلي الشهير:”الجديد حبُّو والقديم لا تفرط فيه”.
قائمة أولى
لا تبدو مبادرة “ذاكرة النغم الجزائري” التي أعلنت وزارة الثقافة والفنون عن إطلاقها في الفترة الممتدة من الأول من سبتمبر/أيلول 2026 إلى 30 مارس/آذار من العام 2027، مجرد سلسلة من الأمسيات التكريمية التي تستعيد أسماءً كبيرة من تاريخ الأغنية الجزائرية، بقدر ما هي طريقة تحاول بها الجزائر حفظ ذاكرتها الموسيقية وإعادة تقديمها للأجيال الجديدة.
يعد استحضار أسماء مثل الهاشمي ڤروابي، وشريف خدام، واعمر الزاهي، وأحمد وهبي، وحمدي بناني، وعثمان بالي، وحسنة البشارية، وبڤار حدة وشريفة، استعادة فسيفساء موسيقية تشكلت من بيئات ولغات وطبوع وتجارب مختلفة، أسهمت مجتمعة في صناعة الذاكرة السمعية للجزائريين.
تكتسب المبادرة أهميتها من كونها لا تكتفي بإعادة الأغاني إلى الخشبة، وإنما تقترح إعادة قراءتها من خلال توزيعات جديدة تشارك فيها الأوركسترا السيمفونية وأصوات جزائرية، بما يطرح تحدياً أساسياً: كيف نعيد تقديم هذه الأعمال من دون أن تفقد خصوصيتها؟ فالتجديد هنا لا ينبغي أن يتحول إلى محو للفوارق بين الشعبي والقبائلي والراي والمالوف والديوان والموسيقى الصحراوية والشاوية، لأن قيمة هذا الرصيد تكمن تحديداً في تعدده.
ووفقاً لبيان وزارة الثقافة والفنون المنشور على حسابها على “فيسبوك”، فإن سلسلة التكريمات تندرج “ضمن مشروع وطني متواصل للاحتفاء بكبار الفنانين الجزائريين، وتكريم الذين أسهموا في تشكيل الذائقة الفنية وصناعة الذاكرة الموسيقية الوطنية”. ولفت بيان الوزارة إلى أن الأسماء التي تستحضرها نسخة 2026 “تمثل قائمة أولى سيتم توسيعها لتشمل رموزاً وتجارب فنية أخرى، صوناً لذاكرة الفن الجزائري وإبقاء لأصواته الحقيقية حاضرة في الذاكرة الجمعية للجزائريين”.
من الأرشيف إلى المنصة
لعل السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق، ذلك المتعلق بالكيفية التي ستصل بها هذه الذاكرة إلى جيل لم تعد علاقته بالموسيقى تمر أساساً عبر الإذاعة أو التلفزيون أو الأشرطة، وإنما عبر الهاتف والمنصات الرقمية ومقاطع الفيديو القصيرة؟ على اعتبار أن المنصات الرقمية لم تغيّر فقط طريقة استماع الشباب إلى الموسيقى، وإنما طريقة اكتشافهم لها أيضاً. فالأغنية أصبحت متاحة في أي وقت، ويمكن لمقطع قصير أن يعيد إحياء صوت قديم لدى جمهور لم يعش زمنه. وهذا ما يفسر جزئياً استمرار حضور أغانٍ لأسماء مثل العنقى وڤروابي واعمر الزاهي مثلاً، خارج السياق الزمني الذي ولدت فيه.
ومن شأن الرقمنة ومعها المنصات، أن تردم المسافة بين جيل عاش تلك الأغاني وجيل يكتشفها للمرة الأولى عبر الخشبة والشاشة. من هنا تحديداً تكتسب “ذاكرة النغم الجزائري” فرصة تتجاوز حدود التكريم إلى تقديم مادة سمعية بصرية موثقة، مرفوقة بملفات تعريفية وشهادات ووثائق، تُتَاح على منصات رقمية رسمية وبجودة عالية، يفهمها الجيل الجديد ويعيد اكتشافها وإعادة تأويلها وصناعة جمهور جديد لها.
مواجهة بين القديم والجديد
قد يبدو المشهد الموسيقي الجزائري اليوم وكأنه يقف بين عالمين اثنين، أغانٍ صنعت ذائقة أجيال سابقة، وأصوات جديدة ولدت في بيئة مختلفة تماماً، تحكمها السرعة والإيقاعات العالمية. لكن وضع القديم والجديد في مواجهة مباشرة قد يكون مضللاً؛ فالموسيقى لا تتغير بالضرورة عبر القطيعة، وإنما كثيراً ما تتغير عبر إعادة صياغة علاقتها بما سبقها.
يكفي أن نستحضر القائمة الأولى التي اقترحتها وزارة الثقافة للتكريم، فهؤلاء لم يعودوا مجرد أسماء تنتمي إلى تاريخ الأغنية الجزائرية، بل أصبحوا جزءاً من ذاكرة موسيقية قادرة على العبور بين الأجيال، فاستمرار حضورهم لا يعني أن الذائقة لم تتغير، بل يكشف أن التغير لا يلغي بالضرورة ما سبقه. في المقابل، يعكس صعود الراب والراي المعاصر والأنماط الهجينة تحولاً واضحاً في علاقة الشباب بالأغنية. اللغة أقرب إلى يومياتهم، والإيقاع أسرع، والموضوعات أكثر التصاقاً بالشارع وبالأسئلة الاجتماعية التي يعيشونها.
العلاقة الجدلية
من هذه الزاوية تحديداً، تصبح مهمة “ذاكرة النغم الجزائري” أكثر من مجرد استعادة للماضي، لأن التحدي الحقيقي هو أن تساعد على فتح حوار بين أزمنة موسيقية مختلفة، على اعتبار أن المأمول ليس أن نطلب من الجديد أن يصبح قديماً، ولا أن نعيد إنتاج القديم كما هو، وإنما أن نمنع تحول الاختلاف بينهما إلى قطيعة.
في النهاية.. لا تبدو العلاقة بين القديم والجديد في الموسيقى الجزائرية معركة بين زمنين بقدر ما هي اختبار للقدرة على جعل الذاكرة قابلة للحياة، فالعنقى وڤروابي واعمر الزاهي وبناني وبالي وشريفة ووهبي وغيرهم، لا يحتاجون إلى العودة كما كانوا، بقدر ما يحتاج إرثهم إلى أن يجد طريقه إلى آذان جديدة وأدوات جديدة.















