الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

ثقافة

ذاكرة الناس: لماذا يختار أحدهم أن يفتح مكتبة فيما يختار آخر مطعمًا؟

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

يطرح افتتاح مكتبة “ذاكرة الناس” في قلب باب الوادي، أحد أشهر الأحياء الشعبية في العاصمة الجزائرية، سؤالًا يتجاوز مشروعًا تجاريًا جديدًا: ماذا يعني أن تُفتح مكتبة في وقت تتكاثر فيه محال الوجبات السريعة والمقاهي، وتتراجع فضاءات القراءة والحوار؟

لا تقوم المسألة على مفاضلة مبسطة بين الكتاب والطعام، بل على نوع المدينة التي يصنعها الاستثمار اليومي. فحين تنحصر الخيارات التجارية في الاستهلاك السريع، تصبح المكتبة محاولة لإعادة مساحة من المعرفة والنقاش إلى حي يحمل ذاكرة سياسية وثقافية وفنية ورياضية ممتدة. 

باب الوادي تستعيد دورها الثقافي!

افتتاح مكتبة وسط حي شعبي، أكثر من مشروع تجاري، إنه موقف ثقافي بامتياز، في ظرف يتجه الاستثمار نحو إشباع الجسد، بينما اختار صاحب “ذاكرة الناس” أن يستثمر في غذاء العقل وفي ذاكرة الأزقة وذاكرة المقاهي وذاكرة الحكايات وذاكرة الصور وذاكرة الكتب التي يتبادلها الناس، في مكان ظل وما يزال، خلال فترات تاريخية مفصلية، محملًا بدلالات رمزية كبيرة، في السياسة، والثقافة، والرياضة، والفن، والصحافة، والمسرح، والموسيقى. وكأن الرجل يريد أن يستعيد حي باب الوادي، أحد أدواره التاريخية، كمصنع للرجال والنساء والأفكار، لا مجرد فضاء تستهلكه الأخبار اليومية.

يرفض أحمد بودرمين، مؤسس مكتبة “ذاكرة الناس”، الذي انتقل من الهندسة التجارية إلى عالم الكتب، الوقوع في المقارنة السهلة بين الكتاب والخبز، أو بين المكتبة والمطعم. فهو لا يرى في أحدهما نقيضًا للآخر، بل يعتبر أن كليهما ضرورة لحياة الإنسان، إنه يقول: “لا تقوم المدن على تلبية الحاجات المادية وحدها، كما لا يمكنها أن تعيش على الثقافة وحدها. لكنها تفقد جزءًا من روحها عندما تتكاثر فضاءات الاستهلاك، فيما تتراجع فضاءات المعرفة والحوار”.

وفي حديثه مع “غلوبال ووتش عربية”، لا يدافع بودرمين عن الكتاب باعتباره وعاءً ورقيًا مهددًا بالاندثار، بل كالأصل الذي تتفرع عنه بقية أشكال الإبداع. فيقول بثقة: “لا يمكن أن نصنع سينما من دون كتاب، ولا رسمًا، ولا تصويرًا.  بل كل شيء يمر عبر الكتاب”.

المدن الحيّة.. عرّفتها مكتباتها

كل المدن التي تركت أثرًا في التاريخ كان لها مكان يجتمع فيه الناس حول المعرفة. قد يكون مكتبة، أو بيت حكمة، أو مقهى أدبيًا، أو منتدى ثقافيًا. وما تحاول “ذاكرة الناس” أن تفعله، على تواضع الإمكانات، هو استعادة هذه الوظيفة في قلب حي شعبي، لتقول إن المدينة لا تزال قادرة على أن تنتج فضاءً للحوار، لا للاستهلاك. 

D.R

فحين نذكر الإسكندرية مثلا، لا نستحضر الميناء وحده، بل تستدعي الذاكرة فورًا مكتبة الإسكندرية القديمة، التي أصبحت جزءًا من هوية المدينة، حتى أن إعادة إحيائها في العصر الحديث لم يكن مجرد مشروع معماري، بل محاولة لاستعادة روح الإسكندرية كمدينة للمعرفة.

ومثلها، لم تكتسب بغداد مكانتها في العصر العباسي لأنها كانت مركزًا سياسيًا فحسب، بل لأنها احتضنت بيت الحكمة، وحركة الترجمة، ومجالس العلماء والأدباء. لقد ارتبط اسم بيروت لسنوات طويلة أيضًا بالكتاب العربي، ودور النشر، والمكتبات، والمقاهي الثقافية التي كانت ملتقى للمفكرين والكتاب والشعراء. حتى وُصفت بشكل غير رسمي بأنها “عاصمة الكتاب العربي”، لأنها احتضنت الكلمة الحرة.

في الأندلس كذلك، كانت قرطبة تضم مكتبات عامة وخاصة ضخمة، وكانت القراءة والنسخ والترجمة جزءًا من الحياة الثقافية. لذلك تحولت إلى واحدة من أهم مراكز الإشعاع العلمي في أوروبا في العصور الوسطى.

مكان ثالث..

تعدّ مكتبة “ذاكرة الناس” “المكان الثالث” الذي يتحدث عنه علماء الاجتماع، أي ذلك الفضاء الذي يلتقي فيه الناس بحرية، يتحاورون، ويبنون الثقة الاجتماعية، مثل المقاهي الثقافية والمكتبات والنوادي. وعندما تختفي هذه الفضاءات، لا ينحسر فعل القراءة فحسب، بل تضعف الروابط المدنية نفسها. ومن هنا تصبح “ذاكرة الناس” أكثر من مكتبة؛ إنها محاولة لاستعادة هذا “المكان الثالث” في قلب حي شعبي عريق، وكأن الرسالة تقول، إن الثقافة لا تحتاج إلى أبراج زجاجية كي تزدهر، بل إلى باب مفتوح، ورفوف كتب، وأشخاص يؤمنون بأن الحوار لا يزال ممكناً.