بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تراث ثقافي

“دبلوماسية الحجارة”:كيف توظّف إيطاليا التراث الأثري لإعادة بناء نفوذها في شمال إفريقيا؟

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

لم تعد البعثات الأثرية الإيطالية في شمال إفريقيا مجرّد نشاط أكاديمي محصور في التنقيب والدراسة، بل باتت جزءاً من مقاربة سياسية-ثقافية أوسع، تُعرف في الأدبيات الدبلوماسية بـ “دبلوماسية الآثار”. مقاربة تقوم على توظيف حماية التراث التاريخي كأداة من أدوات القوة الناعمة، في سياق إقليمي يتسم بتنافس جيوسياسي متزايد، وتداخل الأمن والاقتصاد والهوية.

من ليبيا إلى تونس، مروراً بالجزائر، تحافظ إيطاليا على حضور أثري متواصل، لا يمكن فصله عن سعيها لإعادة تثبيت موقعها كشريك أساسي في جنوب المتوسط، عبر مسار أقل صدامية وأكثر رسوخاً من الأدوات العسكرية أو التجارية التقليدية.

الإمبراطورية التي لا ترحل

عندما يتحدث علماء الآثار عن “الإمبراطورية الرومانية”، تتجه الأنظار تلقائياً إلى الكولوسيوم والمنتدى الروماني، لكن الحقيقة الرقمية والجغرافية تشيران إلى واقع مغاير؛ فالخزان الحقيقي والأضخم للآثار الرومانية المحفوظة بعبقها وأصالتها لا يقع في أوروبا، بل في شمال إفريقيا، وتحديداً الجزائر، التي تمتلك وحدها مدناً رومانية كاملة التخطيط مثل “تيمقاد” و”جميلة”، في حين تحتضن ليبيا “لبدة الكبرى” التي توصف بـ “روما الإفريقية”.

هذا الامتداد العمراني لم يكن يوماً مجرد مخلفات حجرية بالنسبة لإيطاليا الحديثة، بل هو “رابط دم” ثقافي. ففي الوقت الذي تتصارع فيه القوى الكبرى، مثل الصين وروسيا وتركيا، على نفوذ اقتصادي وعسكري في إفريقيا، اختارت إيطاليا مدخلاً مختلفاً وأكثر رسوخاً: رعاية الذاكرة المشتركة، وتحويل البعثات الأثرية إلى سفارات ثقافية عابرة للحدود والنزاعات.

“إن حماية التراث الثقافي في مناطق الأزمات ليس ترفاً فكرياً، بل هو أداة جوهرية للحفاظ على الهوية التاريخية ومنع اقتلاع الشعوب من جذورها، وإيطاليا تضع خبرتها الرائدة في هذا المجال لخدمة شركائها في المتوسط”. (من أدبيات وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإيطالية – استراتيجية الدبلوماسية الثقافية).

من “الشاطئ الرابع” إلى الشراكة الندّية

تاريخياً، كان الاهتمام الإيطالي بآثار شمال إفريقيا مشوباً بالأطماع الكولونيالية، حيث أطلق موسوليني في عشرينيات القرن الماضي حملات تنقيب ضخمة في ليبيا لترسيخ فكرة “الشاطئ الرابع” لإيطاليا. إلا أن المشهد اليوم تغير جذرياً؛ مع تحول تلك النظرة الاستعمارية إلى شراكة علمية وتقنية دقيقة.

تشير البيانات الصادرة عن وزارة الخارجية الإيطالية، إلى أن إيطاليا تُموّل وتدير ما يقارب 180 بعثة أثرية حول العالم، يستحوذ حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا على حصة الأسد منها. هذا الحضور ليس عشوائياً، بل مؤسسياً تشارك فيه أعرق الجامعات مثل “سابينزا”، و”روما تري”.

في تونس، لا يقتصر الدور الإيطالي على التنقيب، بل يمتد إلى إدارة مواقع عالمية مثل “قرطاج” ومسرح “الجم”. وفي الجزائر، تتعاون الخبرات المحلية مع نظيرتها الإيطالية في مشاريع ترميم دقيقة للفسيفساء والمدن الجبلية. هذه الشراكة تمنح إيطاليا امتيازاً خاصاً: القدرة على التواجد الميداني والعمل في العمق المجتمعي لتلك الدول، وهو ما لا تتيحه الاتفاقيات التجارية الجافة.

سباق مع الزمن: التكنولوجيا في مواجهة الانهيار

تواجه الآثار الرومانية في شمال إفريقيا تحديات وجودية تتراوح بين الزحف العمراني، والإهمال الإداري، والتهديدات الأمنية (كما حدث في ليبيا). هنا يبرز التدخل الإيطالي كـ “طوق نجاة تقني”.

وتعتمد إيطاليا في استراتيجيتها الحالية على نقل التكنولوجيا المتقدمة لشركائها الجنوبيين. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، الدور الذي تلعبه “فرقة حماية التراث الثقافي” (Carabinieri TPC)، وهي وحدة شرطية إيطالية متخصصة، تقوم بتدريب كوادر في ليبيا والعراق ومصر على مكافحة تهريب الآثار وتوثيق القطع المسروقة.

في ليبيا تحديداً، ورغم الاضطرابات الأمنية التي تلت عام 2011، لم تتوقف البعثات الإيطالية عن العمل. لقد لجأت إلى استخدام الأقمار الصناعية وتقنيات المسح الليزري ثلاثي الأبعاد (3D Scanning) لإنشاء “توائم رقمية” لمدن مثل لبدة وصبراتة. هذه البيانات الدقيقة تضمن أنه في حال تعرض الموقع لأي ضرر، فإن المخططات الهندسية الأصلية محفوظة بدقة مليمترية، مما يسمح بالترميم العلمي مستقبلاً.

“لبدة الكبرى ليست مجرد موقع أثري، إنها أعجوبة معمارية تضاهي، بل وتتفوق في بعض جوانبها على آثار العاصمة روما نفسها، بفضل الرمال التي حمتها لقرون. إنقاذها هو إنقاذ لجزء من ذاكرة البشرية جمعاء”. (لويزا موسو – أستاذة علم الآثار بجامعة روما تري ورئيسة إحدى البعثات في ليبيا)

العوائد الجيوسياسية للقوة الناعمة

لا يمكن قراءة هذا الاهتمام الإيطالي بمعزل عن السياسة. فالدبلوماسية الثقافية تفتح أبواباً قد تغلقها السياسة التقليدية. ومن خلال الحفاظ على هذا التراث، تُقدم إيطاليا نفسها كشريك “نبيل” يهتم بالهوية والتاريخ، ما يعزز مكانتها لدى الشعوب والحكومات على حد سواء.

يُعد هذا النهج استثماراً طويل الأمد؛ فترميم موقع أثري في “شرشال” بالجزائر أو “تطوير متحف باردو” في تونس، يخلق روابط عمل يومية بين الخبراء، ويعزز السياحة التي تعد رافداً اقتصادياً هاماً لهذه الدول، ما يمنح روما نفوذاً ناعماً يتغلغل في قطاعات التعليم والسياحة والإدارة المحلية.

إضافة إلى ذلك، يُنظر إلى هذا الجهد كجزء من استراتيجية أوروبية أوسع لتعزيز الاستقرار في دول الجوار الجنوبي. فالحفاظ على التراث يعني الحفاظ على الموارد السياحية، وبالتالي دعم الاقتصاد المحلي وتقليل مسببات الهجرة غير الشرعية، وهو الملف الذي يؤرق روما أكثر من غيره.

في الختام، تبقى الآثار الرومانية في شمال إفريقيا شواهد حية على تاريخ مشترك، لكنها اليوم تتحول بفضل “دبلوماسية الحجارة” إلى جسور حديثة، تعبر عليها المصالح السياسية والتقنية، لتثبت روما مرة أخرى أن نفوذها في المتوسط لا يعتمد فقط على الاقتصاد، بل على قدرتها الفريدة في حماية ذاكرة العالم.