بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

الشرق الأوسط

خلف الأبراج الزجاجية وأزقة الرماد: “خطة غزة البديلة” ومغامرة فرض الواقع

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تتشكل في الغرف المغلقة للعواصم الكبرى ملامح مرحلة جديدة في غزة، مرحلة لا تُبنى على بيانات وقف إطلاق النار ولا على رهانات التسوية التقليدية، بل على فكرة أكثر صلابة وبراغماتية: فرض واقع إداري وأمني جديد فوق أنقاض الحرب. هناك، خلف الأبراج الزجاجية وشاشات الخرائط وتقارير الاستخبارات، لم يعد السؤال يدور حول كيفية الوصول إلى اتفاق شامل، بل عن آليات تجاوز التعطيل السياسي وخلق “اليوم التالي” عبر المال والترتيبات الأمنية والنفوذ الدولي.

جاء هذا التحول بعد تعثر جولات القاهرة الأخيرة، حيث اصطدمت المفاوضات مجدداً بعقدة “نزع سلاح حماس”، الشرط الذي تصرّ عليه إسرائيل وبعض القوى الغربية باعتباره المدخل الوحيد لأي تسوية طويلة الأمد، بينما تعتبره الحركة والفصائل الفلسطينية وصفة للاستسلام السياسي والعسكري. ومع دخول المسار التفاوضي في دائرة مغلقة، بدا واضحاً أن بعض العواصم الدولية والإقليمية قررت الانتقال من منطق “التفاوض على الحل” إلى منطق “إدارة الواقع”.

جيوب الإدارة الجديدة

في قلب هذه الرؤية، برز ما يُسمى بـ”مجلس السلام”، كمنصة سياسية – أمنية تتولى هندسة اليوم التالي في غزة، لكن المفارقة أن هذا المشروع لا يسعى، في مرحلته الأولى، إلى السيطرة على القطاع بأكمله، بل يعتمد سياسة “التفكيك الجغرافي”. الفكرة تقوم على إنشاء مناطق إدارية محددة داخل غزة، باعتبارها “خالية نسبياً من النشاط المسلح”، لتبدأ فيها حكومة تكنوقراط فلسطينية جديدة بممارسة مهامها تدريجياً.

ويقود هذه المقاربة فريق فلسطيني مدعوم إقليمياً ودولياً، يتحدث عن ضرورة “إعادة الحياة المدنية” إلى القطاع عبر مؤسسات غير فصائلية، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية بعيداً عن البنية التقليدية التي حكمت غزة طوال السنوات الماضية. هنا، لا يجري الحديث عن سلطة سياسية كاملة، بل عن “واحات إدارية” تُزرع وسط الدمار، تبدأ بالمساعدات والكهرباء والمياه وإعادة الإعمار، ثم تتحول مع الوقت إلى نموذج بديل يجذب السكان المنهكين من الحرب.

ويبدو أن الرهان الأساسي للخطة يقوم على العامل النفسي والاجتماعي؛ أي خلق مقارنة يومية بين مناطق تحصل على الخدمات والاستقرار والتمويل، وأخرى تبقى غارقة في الفوضى والاشتباك، بما يخلق ضغطاً شعبياً تدريجياً يعيد تشكيل المزاج الداخلي في القطاع.

المال يصنع الوقائع

لكن أي مشروع لإعادة هندسة غزة يحتاج قبل كل شيء إلى المال، وهنا تحديداً تظهر نقطة الثقل في الخطة البديلة. فالعواصم الداعمة للمشروع تراهن على أن الاقتصاد قد ينجح حيث تعثرت السياسة والحرب طوال سنوات.

الولايات المتحدة تدفع بقوة نحو نموذج يقوم على “السلام الاقتصادي”، أي ربط الاستقرار بتدفق الاستثمارات والمشاريع والخدمات. وفي هذا الإطار، تدور نقاشات واسعة حول آليات تحويل أموال المقاصة والدعم الدولي مباشرة إلى المؤسسات الجديدة المشرفة على إعادة الإعمار، بعيداً عن الهياكل التقليدية التي ارتبطت بحماس أو بالبيروقراطية الفلسطينية القديمة.

في المقابل، ترى “حماس” أن هذه المقاربة ليست سوى محاولة لشراء الولاءات وإعادة إنتاج نموذج سياسي جديد تحت ضغط الحاجة الإنسانية. ولذلك، تصر الحركة في خطابها السياسي على أن أي إعادة إعمار يجب ألا تكون مشروطة بتغييرات أمنية أو سياسية تمس “المقاومة” أو البنية الداخلية للفصائل.

قوة الأمن الدولية

غير أن المال وحده لا يكفي في منطقة يحكمها الأمن والسلاح. ولهذا، تتضمن الخطة مكوناً أمنياً بالغ الحساسية، يتمثل في إنشاء “قوة استقرار دولية” تكون مهمتها حماية المناطق الإدارية الجديدة وتأمين حركة الإغاثة والإعمار.

التصورات المتداولة تتحدث عن قوة متعددة الجنسيات قد تضم آلاف العناصر من دول آسيوية وإسلامية وأوروبية، بالتوازي مع برامج تدريب لعناصر أمن فلسطينية جديدة في مصر والأردن، بهدف إنشاء جهاز أمني محلي قادر على فرض النظام داخل هذه “الجيوب الإدارية”.

إسرائيل تنظر بإيجابية حذرة إلى هذه الفكرة، لأنها قد تخفف عنها عبء الإدارة المباشرة لغزة، لكنها في الوقت نفسه تخشى أن تتحول أي بنية فلسطينية جديدة إلى نواة كيان سياسي مستقل مستقبلاً. ولهذا، لا يزال اليمين الإسرائيلي يرفض منح أي سلطة فلسطينية صلاحيات سيادية حقيقية، حتى وإن كانت تكنوقراطية أو مدعومة دولياً.

أما بريطانيا وعدد من العواصم الأوروبية، فتتعامل مع المشروع بقدر واضح من التحفظ. فهناك مخاوف من أن يؤدي تجاوز المؤسسات الأممية والمسارات السياسية التقليدية إلى خلق نموذج هش يفتقر إلى الشرعية القانونية والسياسية، وقد يفتح الباب أمام صدامات جديدة بدل إنتاج الاستقرار.

بين الرفض والانفجار

المعضلة الكبرى تبقى داخل غزة نفسها. فالفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حماس، تعتبر أن مشروع “الواحات الإدارية” ليس خطة إنقاذ إنسانية، بل محاولة تدريجية لعزل المقاومة وتجريدها من نفوذها الميداني والسياسي. ومن هنا، يبرز أخطر سيناريو محتمل: أن تتحول المناطق الجديدة والقوات الدولية المشرفة عليها إلى أهداف مباشرة لهجمات الفصائل أو بؤر اشتباك دائمة.

في الشارع الغزّي أيضاً، لا تبدو الصورة محسومة. فبينما يرحب كثيرون بأي نافذة للخلاص من الحرب والجوع والانهيار، يخشى آخرون من أن يتحول القطاع إلى خريطة مقسمة أمنياً وإدارياً، تُدار بمفهوم المناطق المعزولة لا بمنطق الوحدة الوطنية.

تبدو غزة اليوم وكأنها تدخل مرحلة جديدة من الصراع؛ مرحلةٌ لا تقوم فقط على الحرب العسكرية، بل على سباق محموم لفرض الوقائع السياسية والاجتماعية والاقتصادية. تراهن القوى الدولية على أن الاستقرار والخدمات والتمويل قد يصنع واقعاً جديداً يتجاوز الشعارات القديمة، بينما تراهن الفصائل على أن أي مشروع لا يمر عبر التوافق الوطني سيبقى هشاً وقابلاً للانفجار.

وبين الأبراج الزجاجية التي تُرسم فيها الخرائط، وأزقة غزة التي ما زالت تنبض بالدخان والبارود، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن فعلاً هندسة السلام من فوق الركام، أم أن غزة ستبتلع مرة أخرى كل الخطط القادمة من الخارج؟