بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

خلاف سياسي

خلافات الهوية داخل الحزب الجمهوري في تكساس تكشف حدود اندماج المسلمين المحافظين في السياسة الأمريكية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يصطدم المشهد السياسي الأمريكي، من جديد، بإحدى أكثر إشكالياته حساسية، مع تفجّر جدل داخل الحزب الجمهوري في ولاية تكساس حول حضور مندوبين مسلمين في مؤتمره العام، وما رافقه من دعوات صريحة لطردهم أو مطالبتهم بتغيير هويتهم الدينية تحت شعار “لا تطبقوا الشريعة في تكساس”.

لم تكن الحادثة مجرّد خلاف تنظيمي عابر، بل كشفت عن تصدع عميق في بنية الخطاب المحافظ، واتساع مساحة التوتر بين تعريف الهوية الدينية ومعايير الانتماء السياسي داخل اليمين الأمريكي.

اللافت في الواقعة أن المستهدفين لم يكونوا مهاجرين غير نظاميين أو خصوماً سياسيين من اليسار الراديكالي، بل كوادر ومنتدبون رسميون انخرطوا في العمل الحزبي الجمهوري، وتبنّوا جزءاً كبيراً من أطروحاته الاقتصادية والاجتماعية، وسعوا إلى تمثيله داخل مجتمعاتهم. غير أن هذه “المواطنة الحزبية” تبددت سريعاً أمام صعود تيار “القومية المسيحية” الذي بات ينظر إلى أي اختلاف ديني بوصفه تهديداً وجودياً، بغض النظر عن مستوى الالتزام السياسي أو الانخراط التنظيمي.

أين يذهب المسلم المحافظ؟

تكمن المفارقة الأعمق في أن شريحة واسعة من المسلمين والعرب في الولايات المتحدة، ولا سيما في الولايات الجنوبية مثل تكساس، تجد في المبادئ العامة للحزب الجمهوري تقاطعاً مع منظومتها القيمية. فالأسر المسلمة المحافظة تميل غالباً إلى دعم القيم العائلية التقليدية، وتتحفظ على السياسات الليبرالية المتقدمة في ملفات النوع الاجتماعي والتعليم، كما تميل إلى دعم الاقتصاد الحر وخفض الضرائب وتشجيع المشاريع الفردية.

لكن هذا التقاطع النظري يصطدم بجدار صلب من التعبئة الأيديولوجية داخل الحزب، تقوده دوائر إنجيلية محافظة باتت أكثر تأثيراً في صياغة المزاج العام. وهكذا يجد “المسلم المحافظ” نفسه عالقاً بين طرفين متناقضين: حزب جمهوري يرفضه بسبب هويته الدينية، وحزب ديمقراطي لا ينسجم معه في كثير من الملفات الاجتماعية والثقافية.

وقد اختصر أحد القياديين المحليين هذه المفارقة حين قال للمندوبين المسلمين إن “مكانهم الطبيعي هو مؤتمر الحزب الديمقراطي”، في إشارة لا تحمل دعوة للنقاش بقدر ما تعكس منطق الإقصاء، وتحويل الهوية الدينية إلى معيار سياسي نهائي.

فوبيا الشريعة..أداة تعبئة سياسية

إن شعارات من نوع “لا تطبقوا الشريعة في تكساس” لا تعكس واقعاً قانونياً أو سياسياً قائماً، بقدر ما تعكس توظيفاً متكرراً لما يمكن تسميته “فوبيا الشريعة” في الخطاب الشعبوي الأمريكي. فغياب أي مطالب حقيقية بتطبيق قوانين دينية إسلامية في النظام القضائي يجعل من هذه الشعارات أدوات رمزية لتوليد الخوف، وحشد القاعدة الانتخابية حول فكرة “التهديد الداخلي”.

هكذا تتحول الشريعة إلى رمز غامض للغزو الثقافي، ويتحول المسلم، حتى لو كان عضواً فاعلاً في الحزب الجمهوري، إلى عنصر مشتبه بولائه، ما يعكس منطقاً سياسياً يقوم على إنتاج “عدو داخلي” دائم لإبقاء حالة التعبئة الانتخابية مستمرة.

هذا الخطاب لم يعد محصوراً في الهامش، بل تسرب تدريجاً إلى بعض السياسات الرسمية في ولاية تكساس، حيث جرى تصنيف عدد من المنظمات المدنية الإسلامية ضمن قوائم مشبوهة، في سياق يخلط بين العمل الحقوقي المشروع وبين تهديدات الإرهاب العابرة للحدود، ما يُحدث بيئة سياسية ضاغطة على أي مشاركة مدنية للمسلمين.

صمت القيادة وحسابات الانتخابات

لم يكن صمت قيادات الحزب الجمهوري في تكساس إزاء واقعة طرد المندوبين المسلمين مجرّد تجاهل عابر، إنما يعكس حسابات سياسية دقيقة. فالقواعد الإنجيلية المحافظة تمثل العمود الفقري للنفوذ الجمهوري في الولاية، وأي موقف علني ضد الخطاب الإقصائي قد يُفسَّر كتراجع عن “حماية الهوية المسيحية”، بما قد يترتب عليه خسائر انتخابية داخل الانتخابات التمهيدية.

وبالتالي، يختار الحزب إدارة التناقض بدلاً من حله: الحفاظ على خطاب تعبوي موجه للقاعدة الصلبة، حتى لو جاء ذلك على حساب توسيع المشاركة السياسية أو استيعاب الأقليات المحافظة داخل بنيته التنظيمية.

هل هي استراتيجية قابلة للاستمرار؟

على المدى القصير، قد ينجح هذا النهج في تعزيز التماسك الداخلي للحزب الجمهوري داخل ولايات محافظة مثل تكساس. لكنه على المدى البعيد يطرح إشكالية ديموغرافية وسياسية متصاعدة، في ظل التحولات السكانية المتسارعة التي تشهدها الولاية، مع تنامي أعداد الأقليات المسلمة واللاتينية والآسيوية.

إن سياسات الإقصاء الهوياتي قد تدفع هذه الفئات نحو أحزاب أخرى، أو على الأقل نحو عزوف سياسي متزايد، ما يهدد بتقويض القاعدة الانتخابية التقليدية للحزب مستقبلاً. وبذلك تتحول “الحماية الهوياتية” من أداة قوة إلى عامل تآكل بطيء للنفوذ السياسي.

في المقابل، يكتسب الحزب الديمقراطي، على الرغم من كل الانتقادات الموجهة له من التيارات المحافظة، مساحة أوسع لاستيعاب التنوع الاجتماعي، ما يمنحه أفضلية نسبية في بيئات انتخابية تتغير تركيبياً بسرعة.

الصوت المسلم بين التوظيف والإقصاء

تكشف حادثة تكساس عن لحظة حساسة في علاقة الجالية المسلمة بالسياسة الأمريكية، حيث يبدو أن نموذج “الاندماج عبر الهوية المحافظة” داخل الحزب الجمهوري يواجه حدوداً صلبة، تتجاوز البرامج السياسية إلى تعريف الانتماء ذاته.

لكن الانكفاء السياسي ليس خياراً واقعياً أو فعالاً. فالمطلوب ليس الذوبان في أحد القالبين الحزبيين، بل إعادة صياغة الحضور السياسي للمسلمين في الولايات المتحدة ككتلة مدنية وحقوقية وناخبة، تفرض احترامها على أساس المواطنة والدستور، لا على أساس التوظيف الانتخابي أو الإقصاء الهوياتي.

وفي ظل هذا المشهد المتحول، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع السياسة الأمريكية استيعاب التعددية الدينية بوصفها قوة داخل النظام، أم أنها ستواصل إعادة إنتاج الانقسام بين “هوية مقبولة” وأخرى “مشبوهة”؟