تخوض الحكومة العراقية مواجهة مبكرة مع واحدة من أكثر شبكات النفوذ تعقيداً في البلاد، بعدما شهدت العاصمة بغداد أخيراً، سلسلة مداهمات أمنية وعسكرية غير مسبوقة استهدفت سياسيين ونواباً ومسؤولين كباراً، في إطار تحقيقات تتعلق بالفساد المالي وتهريب الدولار وتمويل الفصائل المسلحة. وجاءت العملية بعد أقل من شهرين على نيل حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي ثقة البرلمان، لتتحول سريعاً إلى أول اختبار حقيقي لقدرتها على ترجمة شعارات الإصلاح إلى إجراءات ميدانية تمس مراكز القوى التقليدية.
لم يقتصر ثقل العملية على حجم الشخصيات المستهدفة، بل امتد إلى توقيتها السياسي، إذ تأتي بينما يستعد الزيدي لأول زيارة رسمية إلى واشنطن ولقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منتصف يوليو/تموز المقبل، في وقت تخضع فيه بغداد لضغوط مالية متصاعدة من وزارة الخزانة الأمريكية والاحتياطي الفيدرالي لضبط حركة الدولار وتجفيف قنوات الالتفاف على العقوبات المفروضة على إيران. ومن هنا، لم تعد الحملة تُقرأ باعتبارها مجرد تحرك قضائي، بل كرسالة سياسية واقتصادية موجهة إلى الداخل والخارج في آن واحد.
اعترافات تقود المداهمات
تشير المعطيات إلى أن الشرارة الأساسية للحملة انطلقت من التحقيقات مع وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي، الذي اعتُقل خلال مايو/أيار الماضي، قبل أن يدلي باعترافات قادت، بحسب مصادر عراقية، إلى شبكة واسعة تضم أكثر من 120 مسؤولاً وسياسياً ورجل أعمال. كما أعلن القضاء العراقي مصادرة أكثر من 85 مليون دولار، عُثر على جزء كبير منها مخبأ داخل منازل وحفر أرضية مرتبطة بملفات التحقيق.
وامتدت المداهمات إلى نواب حاليين وسابقين رُفعت عنهم الحصانة، ووزراء في حكومات سابقة، إضافة إلى مسؤولين أمنيين ورجال أعمال. وأكدت مصادر أمنية أن التحقيقات تشمل ملفات تمويل الفصائل، والنفط الإيراني، وتهريب الدولار، فضلاً عن قضايا فساد مالي واسعة. وعلى الرغم من تداول وسائل إعلام عراقية أسماء شخصيات سياسية بارزة ضمن الموقوفين، فإن القضاء الأعلى والحكومة امتنعا عن إصدار قائمة رسمية بالأسماء، في خطوة تعكس حساسية الملف وتعقيداته السياسية.
وتكشف طبيعة المستهدفين أن الحملة لا تستهدف أفراداً بعينهم بقدر ما تضرب البنية المالية التي اعتمدت عليها قوى سياسية وفصائل مسلحة طوال السنوات الماضية. فالمواجهة، وفق تقديرات مراقبين، تتجاوز مكافحة الفساد بصيغته التقليدية، لتطال ما يُعرف بـ”الاقتصاد الموازي”، الذي وفر مصادر تمويل ضخمة خارج رقابة الدولة، وأسهم في ترسيخ نفوذ الجماعات المسلحة داخل مؤسساتها.
ماضٍ يلاحق الزيدي
المفارقة الأبرز أن الرجل الذي يقود اليوم حملة ملاحقة شبكات تهريب الدولار كان حتى وقت قريب رئيساً لمجلس إدارة “مصرف الجنوب الإسلامي”، الذي فرضت عليه وزارة الخزانة الأمريكية في العام 2024 عقوبات حظرت تعامله بالدولار، بعد معلومات استخباراتية تحدثت عن صلات محتملة بين المصرف وشخصيات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وفق ما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال”.
هذا الماضي يمنح الزيدي موقعاً استثنائياً في إدارة المواجهة الحالية. فمن جهة، يمتلك معرفة دقيقة بآليات عمل الاقتصاد الموازي وشبكات التحويل المالي غير الرسمية، وهو ما قد يفسر دقة الضربات التي تنفذها الأجهزة الأمنية. ومن جهة أخرى، يدرك أن نجاحه السياسي، داخلياً وخارجياً، يتطلب التخلص من أي صورة تربطه بالمرحلة السابقة، عبر تقديم نفسه بوصفه رجل الدولة القادر على إعادة هيكلة القطاع المالي وإخضاعه لمعايير الشفافية الدولية.
في هذا السياق، تبدو الحملة أيضاً محاولة لإعادة بناء الثقة مع الولايات المتحدة، وإثبات أن الحكومة الجديدة مستعدة لاتخاذ خطوات تمس شبكات النفوذ التقليدية، حتى لو كانت بعض هذه الشبكات تنتمي إلى البيئة السياسية التي أوصلت الزيدي نفسه إلى رئاسة الوزراء.
الدولار أداة ضغط
لا يمكن فهم الحملة بعيداً عن الضغوط المالية الأمريكية المتزايدة على العراق. فمنذ إعادة تنظيم نافذة بيع العملة الأجنبية، أصبحت التحويلات الخارجية تمر عبر منظومة رقابية مشددة يشرف عليها الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، مع صلاحية رفض أي حوالة لا تستوفي متطلبات الإفصاح عن المستفيد النهائي.
كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية قيوداً على عدد كبير من المصارف الخاصة وشركات الدفع الإلكتروني، في إطار مساعٍ للحدّ من تهريب الدولار إلى إيران وسوريا عبر شبكات مالية غير رسمية. وإلى جانب ذلك، دفعت واشنطن بغداد إلى توسيع تطبيق نظام “أسيكودا” (ASYCUDA) الجمركي الرقمي، بما يسمح بربط التحويلات المالية بالبيانات الجمركية الفعلية والحدّ من الفواتير الوهمية التي استُخدمت لسنوات في عمليات غسل الأموال واستنزاف احتياطي النقد الأجنبي.
بذلك، لم تعد مكافحة الفساد خياراً سياسياً فحسب، بل تحولت إلى ضرورة اقتصادية تفرضها طبيعة العلاقة المالية بين بغداد وواشنطن. فاستمرار تدفق الدولار إلى السوق العراقية بات مرتبطاً بمدى قدرة الحكومة على إغلاق منافذ التهريب وإقناع المؤسسات الأمريكية بجدية الإصلاحات.
اختبار واشنطن الحاسم
يكتسب توقيت الحملة أهمية استثنائية مع اقتراب زيارة الزيدي إلى واشنطن، حيث ينتظر أن يلتقي الرئيس دونالد ترامب في أول تحرك خارجي له منذ تشكيل الحكومة. وتدرك بغداد أن أي انفتاح اقتصادي أمريكي لن يتحقق من دون مقابل سياسي وأمني واضح، يتمثل في تقليص النفوذ المالي الإيراني داخل العراق، وضبط حركة الدولار، وتعزيز سلطة الدولة على المؤسسات الأمنية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، تبدو المداهمات بمثابة “أوراق اعتماد” يحملها الزيدي إلى البيت الأبيض لإثبات قدرته على فرض سيادة القانون واحتواء الاقتصاد الموازي.
ويتزامن ذلك مع مساعي الحكومة لاستكمال تشكيلتها الوزارية، وخصوصاً وزارتي الداخلية والدفاع، بما يمنح رئيس الوزراء هامشاً أوسع في إدارة التوازنات الداخلية قبل الدخول في مرحلة تفاوضية مع واشنطن حول ملفات الاقتصاد والطاقة والاستثمار.
مع ذلك، يبقى نجاح هذه الاستراتيجية رهناً بقدرة الحكومة على الاستمرار في المواجهة وعدم الاكتفاء بضربات محدودة تستهدف شخصيات بعينها. فإذا تمكنت من تحويل الحملة إلى مسار مؤسسي دائم، فقد تنجح في تقليص نفوذ الاقتصاد الموازي واستعادة جزء من هيبة الدولة. أما إذا تحولت المداهمات إلى مجرد استجابة ظرفية للضغوط الأمريكية أو إلى أداة لتصفية الحسابات بين القوى السياسية، فإن شبكات الفساد ستعيد إنتاج نفسها بأدوات أكثر تعقيداً، وسيبقى العراق أسير معادلة النفوذ المتبادل بين واشنطن وطهران.
في جميع الأحوال، ما جرى في المنطقة الخضراء لا يمثل حملة أمنية عابرة، بل اختباراً مبكراً وحاسماً لحكومة لم تكمل بعد شهرها الثاني، ويُرجح أن يحدد مسارها السياسي والاقتصادي خلال السنوات المقبلة.















