بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

حرّية التعبير

حكم مفصلي في بريطانيا.. محكمة الاستئناف تؤيد قانونية حظر “فلسطين أكشن” وتحسم الجدل: “منظمة إرهابية”

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

رجّحت محكمة الاستئناف البريطانية كفة الأمن القومي على اعتبارات حرية التعبير والاحتجاج، في حكم يُعد من أبرز الأحكام القضائية المرتبطة بالسياسة الداخلية خلال السنوات الأخيرة، بعدما قضت بشرعية قرار الحكومة تصنيف حركة “فلسطين أكشن” منظمة إرهابية، مؤكدة أن الإجراءات التي اتخذتها السلطات كانت “مبررة ومتناسبة” مع التهديدات المنسوبة إلى الجماعة.

ألغى خمسة من كبار قضاة محكمة الاستئناف، الاثنين، حكماً سابقاً صادراً عن المحكمة العليا كان قد خلص إلى أن قرار الحظر تضمن تدخلاً كبيراً في حقوق حرية التعبير والتجمع السلمي، وأن الحكومة لم تلتزم بالكامل بالمعايير والإجراءات التي وضعتها بنفسها عند النظر في حظر التنظيمات.

ليست عصياناً مدنياً تقليدياً

قالت كبيرة القضاة في محكمة الاستئناف، سو كار، إن “فلسطين أكشن” لا يمكن مقارنتها بحركات العصيان المدني التاريخية أو بحملات الاحتجاج العلنية التي تعمل في وضح النهار، فهي تعتمد على بنية تنظيمية سرية وخلايا مغلقة تهدف إلى تجنب الرصد والملاحقة القانونية أثناء تنفيذ عمليات تخريب أو أعمال تؤدي إلى إلحاق أضرار بالممتلكات أو إصابات للأفراد.

وأضافت، بأن وزيرة الداخلية آنذاك كانت تملك صلاحية قانونية كاملة لاتخاذ قرار الحظر، وأن السياسة الحكومية الخاصة بتصنيف المنظمات لم تكن تقيد سلطتها بالشكل الذي ذهبت إليه المحكمة الأدنى درجة.

كما أكدت المحكمة أن قرار الحظر استند إلى تقييم مشروع للمخاطر الأمنية، وأن الحكومة كانت مخولة قانوناً بالنظر إلى الفوائد المترتبة على استخدام تشريعات مكافحة الإرهاب للحد من نشاط الحركة وقدرتها على التنظيم.

ترويج علني للعنف

في حيثيات الحكم، شددت كار على أن القضية أثارت جدلاً مجتمعياً واسعاً بسبب وجود مواطنين يؤيدون أهداف الحركة السياسية، لكنها رأت أن هذا الأمر لا يغير من الطبيعة القانونية لأنشطتها، مؤكدة بأن الخطأ الأساسي في حجج الطاعنين يتمثل في تجاهل ترويج “فلسطين أكشن” العلني لأعمال عنف ترقى إلى مستوى الإرهاب، وفق التوصيف القانوني الذي اعتمدته الحكومة.

كما أشارت المحكمة إلى أن الحركة لم تتبرأ من عدد من الحوادث التي وقعت قبل فرض الحظر، والتي عدّتها الحكومة من الوقائع التي دعمت قرار التصنيف.

استهداف منشآت حساسة

اعتبرت المحكمة أن العامل الحاسم في القرار الحكومي كان طبيعة التهديدات التي تمثلها الحركة، ولا سيما استهدافها شركات ومنشآت حساسة تعمل بصورة قانونية داخل المملكة المتحدة.

شملت الأهداف شركات دفاعية مرتبطة بالأمن القومي البريطاني أو تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا، وهو ما منح السلطات مبررات إضافية للنظر إلى نشاط الجماعة من زاوية أمنية تتجاوز إطار الاحتجاج السياسي التقليدي.

وأكد القضاة أن الحكومة، وخصوصاً وزارة الداخلية، تمتلك خبرة ومعلومات أوسع من المحاكم في تقييم المخاطر المرتبطة بالأمن القومي، وأن للقضاء دوراً رقابياً مهماً، لكنه مطالب أيضاً بمنح السلطة التنفيذية هامشاً واسعاً من التقدير في الملفات الأمنية المعقدة.

طريق استئناف شائك

من جانبها، أعلنت المؤسسة المشاركة للحركة، هدى العموري، أن الجماعة ستواصل السعي لإلغاء القرار، وتعتزم التوجه إلى المحكمة العليا البريطانية للطعن في الحكم.

وقالت العموري، إن الحركة فوجئت بالنتيجة، معتبرة أن القضية تمثل اختباراً جوهرياً لحرية التعبير والحق في الاحتجاج داخل بريطانيا، ووصفت قرار الحظر بأنه أحد أكثر الإجراءات تشدداً ضد النشاط السياسي والاحتجاجي في التاريخ البريطاني الحديث.

غير أن الطريق إلى المحكمة العليا لا يبدو مضموناً، إذ يتطلب الأمر الحصول على إذن خاص للاستئناف. وأشار خبراء قانونيون إلى أن المحكمة العليا لا تنظر في جميع القضايا، بل تختار الملفات التي تنطوي على أسئلة قانونية جوهرية تحتاج إلى توضيح أو تطوير للاجتهاد القضائي.

ورغم اعتراف قضاة الاستئناف بتعقيد المسائل القانونية المثارة في القضية، فإنهم لم يذهبوا إلى حد اعتبارها غامضة بما يكفي لتبرير مراجعة تلقائية من أعلى سلطة قضائية في البلاد.

اعتقالات ورسائل سياسية

بالتوازي مع صدور الحكم، شهد محيط محاكم العدل الملكية في لندن تجمعات لمؤيدين للحركة رفعوا لافتات داعمة لها، فيما أعلنت شرطة لندن توقيف 58 شخصاً للاشتباه في دعمهم منظمة محظورة.

هذه التطورات توضح حجم الحساسية السياسية التي تحيط بالقضية، إذ تحولت من نزاع قانوني حول تصنيف جماعة بعينها إلى مواجهة أوسع تتعلق بحدود النشاط الاحتجاجي في بريطانيا، خصوصاً في القضايا المرتبطة بالحرب في غزة والدعم الغربي لإسرائيل.

بدورها، رحبت وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود بالقرار، مؤكدة أنه قانوني ولا يستهدف المؤيدين للقضية الفلسطينية أو الأنشطة الاحتجاجية السلمية، وبأن الحظر لا يمس حق المواطنين في التعبير عن آرائهم السياسية ضمن الأطر القانونية.

وأضافت محمود أن ما قامت به “فلسطين أكشن” يتجاوز حدود الاحتجاج الديمقراطي والعصيان المدني، مشيرة إلى أن الجماعة نفذت أعمالاً صنفتها السلطات ضمن نطاق الإرهاب، واحتفت بمن شاركوا فيها وروّجت لاستخدام العنف لتحقيق أهدافها.

من المرجح أن يتحول هذا الحكم إلى مرجع قانوني مهم في القضايا المستقبلية المتعلقة بحظر الجماعات والمنظمات المثيرة للجدل، كما أنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن السلطات البريطانية باتت أكثر استعداداً لاستخدام أدوات مكافحة الإرهاب في مواجهة الحركات التي ترى أنها تجاوزت حدود الاحتجاج السياسي إلى أنشطة تعتبرها الدولة تهديداً مباشراً للأمن القومي.