بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

انتقال سياسي

حقوق الأقليات في سوريا الجديدة: اختبار الشرعية قبل اختبار الإعمار

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

في اللحظة التي تحاول فيها دمشق تثبيت صورة انتقال سياسي قابل للاعتراف الخارجي، عاد ملف حقوق الأقليات إلى الواجهة من بوابة البرلمان الانتقالي. فقد أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع تعيين 70 عضواً في مجلس الشعب الجديد، استكمالاً لغرفة من 210 أعضاء، لكن تمثيل الأقليات الدينية والعرقية بقي غير واضح، بينما تأجل اختيار ممثلي محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية إلى حين توافر “الظروف المناسبة”، وفق ما أعلنته السلطات السورية.

هذا التفصيل لا يخص التمثيل البرلماني وحده، ففي سوريا، الخارجة من أكثر من عقد من الحرب، لا تُقرأ مقاعد الأقليات بوصفها مسألة رمزية أو تصحيحاً شكلياً في تركيبة مؤسسة انتقالية، إنما هي اختبار مبكر لقدرة السلطة الجديدة على تحويل خطاب الطمأنة إلى ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للتصديق، خصوصاً في بلد لا تزال فيه الذاكرة الطائفية والعرقية جزءاً من حسابات الخوف والولاء والهجرة.

البرلمان واختبار الثقة

يُفترض أن يشكل مجلس الشعب الجديد خطوة في مسار الانتقال بعد الإطاحة ببشار الأسد في العام 2024، لكنه يبدأ من نقطة معقدة. فالمجلس يعمل ضمن نظام رئاسي مؤقت، بصلاحيات محدودة، ومدة قابلة للتجديد، إلى حين اعتماد دستور دائم وتنظيم انتخابات لاحقة. كما أن ثلثي الأعضاء اختيروا عبر هيئات انتخابية محلية تشكلت تحت إشراف لجنة عيّنها الرئيس الشرع، مثلما عيّن هو نفسه الثلث المتبقي.

هذه البنية تمنح السلطة المركزية قدرة واسعة على ضبط المرحلة، لكنها تفتح في الوقت نفسه سؤالاً حساساً: هل يجري بناء مؤسسة انتقالية تمثل التنوع السوري فعلاً، أم إنتاج إطار سياسي مضبوط من أعلى باسم الضرورة الانتقالية؟ هذا السؤال لا يأتي من خصوم سياسيين فقط. فقد حذرت منظمات حقوقية سورية، في ورقة موقف مشتركة نقلتها “رويترز”، من أن الإطار الانتخابي قد يقوض استقلال البرلمان والتعددية السياسية، ودعت إلى مشاركة أوسع وضمانات أقوى لاستقلال القضاء والرقابة الانتخابية وتمثيل النساء والمجتمعات المتنوعة.

تعيين 15 امرأة ضمن الحصة الرئاسية رفع عدد النساء في المجلس إلى 21، بعدما أفرزت الاختيارات السابقة ست نساء فقط. هذه خطوة تصحيحية، لكنها لا تحسم السؤال الأوسع حول الأقليات الدينية والعرقية. فالمشكلة في سوريا ليست عددية فقط، بل تتعلق بما إذا كان التمثيل سيترجم إلى حماية فعلية، ومساءلة، وحق في المشاركة، أم سيبقى جزءاً من هندسة انتقالية تدار من المركز.

السويداء جرح مفتوح

تأجيل اختيار ممثلي السويداء يمنح القصة ثقلها الأهم. فالمحافظة ذات الغالبية الدرزية بقيت خارج السيطرة الكاملة للدولة بعد اشتباكات دامية في صيف 2025، قالت الأمم المتحدة إنها أوقعت نحو 1700 قتيل، معظمهم من أبناء الأقلية الدرزية، وتسببت في نزوح نحو 200 ألف شخص.

تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا دعا الحكومة السورية إلى التحقيق في مسؤولية قيادات أمنية عن انتهاكات وقعت خلال العنف الطائفي في السويداء، كما أشار إلى انتهاكات من جانب فصائل درزية، بينها هجمات انتقامية استهدفت بدواً. هذا التوازن في الإسناد مهم، فما جرى في السويداء لا يُختزل في رواية طرف واحد، لكنه يكشف فشلاً أوسع في منع العنف الطائفي، وضبط القوات الحليفة، وتوفير مسار مساءلة يطمئن المدنيين.

قالت وزارة الخارجية السورية إنها تتعامل مع نتائج التقرير “بأقصى درجات الجدية والمسؤولية”، وأكدت الالتزام بمحاسبة المتورطين “دون استثناء”. لكن قيمة هذا التعهد ستُقاس بالنتائج لا بالصياغات. فالأقليات لا تحتاج فقط إلى وعود بعدم الاستهداف، بل إلى أدلة على أن الدولة قادرة على ضبط أجهزتها، ومحاسبة المتورطين، ومنع الجماعات المحلية أو الحليفة من التحول إلى بدائل أمنية فوق القانون.

لهذا لا تبدو السويداء ملفاً محلياً معزولاً، هي اختبار لطريقة بناء الدولة الجديدة. فهل تكون السلطة المركزية أداة لحماية المدنيين وفرض القانون، أم تتحول إلى طرف يُشتبه في عجزه أو تواطئه عندما تصبح الأقليات في موقع هش؟

الأقليات بين الخوف واللجوء

تزداد حساسية الملف حين ينتقل من الداخل السوري إلى أوروبا. فقد وثقت “رويترز” ارتفاعاً في رفض طلبات لجوء سوريين في دول أوروبية بعد سقوط الأسد، في وقت لا تزال فيه مخاوف العلويين والدروز والأكراد قائمة بسبب العنف والانتقام وصعوبة بسط السلطة المركزية على كامل البلاد.

تستند بعض الحكومات الأوروبية إلى قراءة تقول إن انتهاء حكم الأسد وانحسار الحرب الواسعة يقللان مبررات اللجوء السوري. لكن هذه القراءة تصبح ناقصة عندما تُطبق على أبناء الأقليات باعتبارهم أفراداً لا يواجهون خطراً شخصياً مباشراً، بينما يعيشون داخل بيئة سياسية وأمنية لم تنتج بعد ضمانات كافية. فالخطر في هذه الحالات لا يظهر دائماً في قرار اعتقال أو تهديد موثق باسم الشخص، بل في بنية هشاشة واسعة تجعل الانتماء الطائفي أو العرقي سبباً كافياً للخوف أو النزوح أو تجنب العودة.

وهنا تتقاطع السياسة الداخلية السورية مع قرار اللجوء الأوروبي. فكلما تعثرت دمشق في بناء ضمانات مقنعة للأقليات، زادت صعوبة الدفاع عن فكرة أن سوريا أصبحت آمنة بما يكفي لإعادة اللاجئين أو رفض طلباتهم. وكلما تشددت أوروبا في التعامل مع السوريين، ارتفعت أهمية وجود مؤسسات سورية قادرة على إثبات الحماية لا إعلانها فقط.

شرعية لا تُشترى بالخطاب

يدرك الحكم الجديد في دمشق أن الاعتراف الخارجي والإعمار وعودة الاستثمارات تحتاج إلى صورة دولة مستقرة. لكن الاستقرار في سوريا لا يُقاس فقط بانعقاد البرلمان أو إصدار دستور مؤقت أو تعيين حصة إضافية من النساء. يُقاس أيضاً بقدرة الدولة على إقناع الأقليات بأنهم ليسوا مجرد ضيوف في مرحلة انتقالية يرسمها المنتصرون.

الدروز في الجنوب، والعلويون في الساحل، والأكراد في الشمال والشمال الشرقي، والمسيحيون في المدن والمناطق المختلطة، لا يشكلون كتلة سياسية واحدة، ولا يحملون مخاوف متطابقة. لكن ما يجمع هذه الملفات هو سؤال الضمانة: من يحمي؟ من يحاسب؟ من يشارك في القرار؟ ومن يملك حق الاعتراض عندما تتحول السلطة المركزية إلى مصدر خوف أو عجز؟

تأجيل جلسة البرلمان الأولى، وفق ما نقلته وسائل إعلام عن التلفزيون السوري، يضيف طبقة أخرى من الغموض إلى المشهد، حتى لو لم تُعلن السلطات سبباً واضحاً للتأجيل. فالمؤسسة التي يفترض أن تمنح المرحلة الانتقالية غطاء سياسياً تبدأ عملها وسط أسئلة عن الصلاحيات، والتمثيل، والمساءلة، وحجم الاستقلال الفعلي عن الرئاسة.

ما الذي يجب مراقبته؟

المؤشر الأول سيكون السويداء: هل تتحول عبارة “الظروف المناسبة” إلى مسار سياسي وأمني واضح لإعادة التمثيل، أم تبقى صيغة لتأجيل ملف لا تملك دمشق أدوات حله؟ المؤشر الثاني هو المساءلة: هل ستصل التحقيقات في انتهاكات السويداء إلى مستويات قيادية، كما أوصت لجنة التحقيق الأممية، أم ستتوقف عند أفراد يسهل تحميلهم المسؤولية؟ المؤشر الثالث، هو تمثيل الأقليات داخل البرلمان والهيئات التنفيذية: هل سيكون تمثيلاً رقمياً محدوداً، أم بوابة لضمانات دستورية وقانونية أوسع؟

تستطيع دمشق أن تحصل على وقت سياسي من الخارج إذا قدمت خطوات شكلية كافية. لكنها لن تحصل على ثقة داخلية طويلة الأمد ما لم تفصل بين منطق السيطرة ومنطق الحماية. فحقوق الأقليات في سوريا الجديدة ليست ملفاً حقوقياً هامشياً، ولا بنداً مكملاً لمسار الإعمار. هي أحد شروط بقاء الدولة نفسها خارج منطق الانتقام، وخارج خطر إعادة إنتاج الخوف بوجوه جديدة.