يمر تنظيم الإخوان المسلمين بأخطر منعطفاته التاريخية منذ تأسيسه، فمع صدور القرارات الأمريكية الجديدة بتصنيف فروع الجماعة في دول الطوق (مصر، الأردن ولبنان) كمنظمات إرهابية، ينتقل ملف “مكافحة الإخوان” من الإجراءات الأمنية المحلية في بعض الدول العربية إلى “عزلة دولية شاملة”.
لم يعد الحظر على جماعة الإخوان المسلمين إجراءً سيادياً معزولاً أو قراراً أمنياً محدود الأثر، بل تحوّل إلى مسار دولي متدرّج يعيد رسم موقع الجماعة داخل النظام السياسي العالمي. مع القرار الأمريكي الصادر مطلع 2026، انتقلت المواجهة من دائرة التضييق المحلي إلى مستوى التنسيق العابر للحدود، في لحظة تكشف أن الصراع لم يعد يدور حول مشروعية تنظيم بعينه، بل حول تعريف مقبولية الإسلام السياسي ذاته في المعادلة الدولية.
“جلوبال ووتش عربية” أعدت هذا التقرير الذي يقدّم مسحاً جيوسياسياً مكثفاً لخارطة الحظر المتراكمة، ويقرأ تداعيات “تسونامي” يناير 2026 على الفروع الأكثر حساسية، من القاهرة إلى عمّان وبيروت، قبل أن يستشرف سيناريوهات المرحلة المقبلة. وفيما يلي أبرز محاوره:
المحور الأول: “تسونامي” يناير 2026.. أبعاد الحظر الأمريكي الجديد
يمثل القرار الأمريكي الصادر الثلاثاء الموافق 14 من يناير/كانون الثاني 2026 نقطة تحول كبرى، حيث استهدف ثلاثة فروع رئيسية بضربة واحدة، مسبباً تداعيات متفاوتة:
_ مصر (تأكيد المؤكد): القرار بالنسبة للقاهرة هو “نصر دبلوماسي” وتصديق دولي على روايتها الرسمية منذ 2013. الحظر الأمريكي يغلق أي أبواب خلفية لمحاولات إحياء الجماعة عبر ضغوط حقوقية خارجية، ويجفف منابع التمويل الدولارية التي كانت تأتي تحت غطاء العمل الخيري.
_ الأردن (الضربة الموجعة): هذا هو “الزلزال السياسي” الحقيقي. رغم أن القضاء الأردني حل “الجماعة” في 2020، إلا أن ذراعها السياسي (جبهة العمل الإسلامي) يتصدر البرلمان حالياً. التصنيف الأمريكي يضع الدولة الأردنية في حرج بالغ: كيف تتعامل حكومة حليفة لواشنطن مع كتلة برلمانية مصنفة إرهابياً من قبل الحليف الأكبر؟ هذا قد يمهد لتفكيك الحزب أو عزله سياسياً.
_ لبنان (خنق العسكرة): استهدف القرار الجناح العسكري (قوات الفجر) التابع للتنظيم بشكل مباشر بتصنيفه منظمة إرهابية أجنبية. هذا يعني أن أي بنك لبناني سيتعامل مع مؤسسات الجماعة الإسلامية سيكون عرضة للعقوبات الأمريكية، مما يعني شللاً مالياً كاملاً للجماعة في بيئة لبنانية هشة أصلاً.
المحور الثاني: خارطة الحظر المتراكم.. من “الدمشقي” إلى “الخليجي”
لم يكن قرار 2026 وليد اللحظة، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من الحظر الذي حول الجماعة من فاعل سياسي إلى “كيان منبوذ” في محيطه:
_ الحظر التاريخي والجذري (سوريا وروسيا): تعتبر دمشق الأسبق والأقسى (قانون 49 لعام 1980) الذي يجرم مجرد الانتماء بعقوبات تصل للإعدام. أماىروسيا (منذ 2003) تتعامل معهم كخطر أمني قومي يهدد القوقاز وآسيا الوسطى.
_ الحظر الخليجي الحاسم (السعودية والإمارات): شكل عام 2014 نقطة اللاعودة، حيث صنفت كل من الرياض وأبوظبي الجماعة إرهابية. هذا الحظر لم يكن أمنياً فقط، بل فكرياً وإعلامياً، ونجح في نزع الشرعية الدينية عن الجماعة في العالم الإسلامي نظراً لثقل الدولتين الديني والسياسي.
_ الحظر “الناعم” والرمزي (النمسا وأوروبا الشرقية): اتجهت النمسا لحظر “الشعارات والرموز” لمنع الدعاية، في حين تراقب دول مثل التشيك وهنغاريا نشاطهم بحذر شديد وتمنع تمددهم.
المحور الثالث: “الدومينو” القادم.. من التالي في طابور الحظر؟
وفقاً للمؤشرات الحالية، فإن القائمة المرشحة للحظر أو التضييق الخانق تشمل:
_ تونس (الحظر المنتظر): بعد تجميد نشاط البرلمان وسجن قيادات النهضة، تنتظر تونس فقط حكماً قضائياً نهائياً بحل الحركة وتصنيفها، وهو أمر بات وشيكاً لاستكمال مسار “تصحيح الثورة”.
_ بريطانيا (الملاذ المهدد): لندن، العاصمة التاريخية للتنظيم الدولي، تواجه ضغوطاً خليجية غير مسبوقة. المتوقع ليس حظراً فورياً شاملاً، بل تشريعات تخنق “الجمعيات الخيرية” والمراكز البحثية التابعة للإخوان، مما يدفعهم للرحيل طواعية.
_ الكويت (مراقبة حذرة): لن تذهب للحظر المباشر سريعاً لوجود توازنات برلمانية، لكنها ستضطر لتشديد الرقابة المالية الصارمة على التحويلات الخارجية لجمعيات “حدس” لتجنب العقوبات الثانوية الأمريكية.
أين وصلت الحرب، وماذا بقي للتطويق الكامل؟
يمكن تلخيص الموقف الاستراتيجي للمعركة ضد الإخوان في ثلاث مراحل:
أولاً: ما تم إنجازه (مرحلة الكسر العسكري والسياسي): تم تحطيم الهيكل التنظيمي الصلب في دولة المنشأ (مصر) وأقوى الحواضن (الخليج وسوريا). كما سقط مشروع “التمكين” السياسي والحكم في تونس والمغرب والسودان ومصر.
ثانياً: الوضع الراهن (مرحلة الخنق المالي): القرار الأمريكي (2026) ينقل المعركة من “المواجهة الأمنية” إلى “الحرب المالية”. الهدف الآن هو منع وصول الدولار للتنظيم، وشل قدرته على تحريك الأموال بين العواصم.
ثالثاً: ماذا بقي لتطويقهم بالكامل؟ (الثغرات الأخيرة): لكي يتم إعلان “نهاية التنظيم” عملياً، يتبقى إغلاق ثلاث ثغرات رئيسية، هي:
1) أوروبا (لندن وبرلين): لا تزال الجماعة تعمل هناك تحت لافتات حقوقية ومدنية. المطلوب هو تصنيف أوروبي موحد يمنعهم من استخدام القارة كقاعدة خلفية.
2) الفصل بين الدعوي والسياسي في الأردن والكويت: يجب حسم ملف “الأذرع السياسية” التي تعمل بشكل قانوني رغم تبعيتها الفكرية لجماعة محظورة.
3) تركيا: رغم التقارب المصري التركي، لا تزال هناك بقايا إعلامية وسياسية. التطويق الكامل يتطلب “تسليم ملفات” ووقف البث نهائياً.
“قص الأجنحة” و”قطع الشرايين”
الحرب ضد الإخوان تجاوزت مرحلة “قص الأجنحة” ووصلت إلى مرحلة “قطع الشرايين” المالية والسياسية. لم يعد أمام الجماعة مساحات للمناورة سوى “الكُمون” أو “الذوبان” في كيانات أخرى بأسماء جديدة، حيث باتت لافتة “الإخوان المسلمين” تهمة دولية عابرة للقارات.















