برحيل القاص والروائي التونسي حسن نصر، الجمعة 24 يوليو 2026، عن عمر ناهز 89 عاماً، تطوى صفحة من السرد التونسي الذي رافق نشأة الدولة الوطنية، وسجّل في قصصه ورواياته أحلام الاستقلال، ثم خيبات الهزيمة والتحولات الاجتماعية التي أعادت تشكيل المجتمع التونسي.
ولد حسن نصر في الحي الشعبي الشهير باب سويقة في قلب مدينة تونس العتيقة سنة 1937. كان هذا الحي يمثّل محور الحركة الثقافية والسياسية في تونس سنوات الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، وبعد حفظ نصيب من القرآن الكريم التحق بجامع الزيتونة والتحق في سنّ مبكرّة بالتدريس في المرحلة الابتدائية مطلع استقلال البلاد (1956)، لكنّ تجربته كانت قصيرة إذ سافر إلى بغداد لمواصلة دراسته في كلية الآداب، وبعد تخرّجه منها عاد إلى تونس منتصف ستينيات القرن الماضي ليعود إلى التدريس في المرحلة الثانوية.
أحلام الاستقلال وخيبة 67
ينتمي حسن نصر لجيل تونسي تزامنت طفولته وصباه مع صعود الحركة الوطنية وأحلام الاستقلال وهو ما نجده حاضراً في أعماله، كما ألقت هزيمة حزيران 1967 بظلالها على بعض أعماله القصصية خاصة وكذلك التجربة الاشتراكية في تونس المعروفة بـ “التعاضد”، التي تسبّبت في أزمة اقتصادية واجتماعية نجد صداها ليس في أعمال نصر فقط بل في أغلب أعمال جيله مثل عبد القادر بالحاج نصر ومحمد الهادي بن صالح وغيرهما.
تجربة الكتابة انطلقت في أواخر الخمسينات، وبدأ النشر في جريدة “العمل” الناطقة باسم الحزب الدستوري الحاكم وفي مجلّة “الفكر” ليصدر أوّل مجموعة قصصية له منتصف الستينات بعنوان “ليالي المطر”. وينسب لحسن نصر ريادة القصة القصيرة جدّاً، كما تسمّى اليوم.
مسيرة أدبية طويلة
خلال هذه الرحلة الطويلة أصدر نصر مجموعة من الأعمال القصصية والروائية التي تؤكد ريادته نذكر منها: خبز الأرض، السحر والجرح، 52 ليلة، خيول الفجر، سجلات رأس الديك، دهاليز الليل، دار الباشا، كائنات مجنحة، ما أجمل البحر، بالإضافة إلى الملاك في المنفى، وهي آخر أعماله التي صدرت قبل تسع سنوات.
هذه المسيرة الأدبية الطويلة كانت محلّ تقدير في تونس إذ حازت مجموعته القصصية الأولى “ليالي المطر” على الجائزة التشجيعية للدولة، كما فازت مجموعته “دهاليز الليل” على جائزة علي بلهوان لبلدية العاصمة، و”السهر والجرح” المتوجّة بجائزة الإبداع لوزارة الثقافة لسنة 1989.
صمت الإبداع ووفاء للشباب
خلافاً لعدد كبير من الكتّاب الذين يميلون إلى المعارك والخلافات وإثارة الانتباه بمعارك يختلقونها غالباً، عاش حسن نصر في هدوء تام مع نفسه ومع الآخرين فنجح في أن تكون له مسافة عن السلطة وعن المعارضة وكان قليل الظهور في المناسبات الثقافية والأدبية. كان أقرب إلى الانطواء على النفس منصتاً لصوته الباطني الخاص كما كان يقول متأملاً في أحوال المجتمع والناس.
ومن فضائل حسن نصر رحمه اللّه انحيازه إلى الشباب وميله إلى التجديد والتجريب في الكتابة، ومع رحيله تطوى صفحة كبيرة من تاريخ الأدب التونسي المعاصر خاصة جيل الاستقلال الذي عبّر في أدبه عن أحلام الاستقلال وخيبة الدولة الوطنية.
حسن نصر… وداعاً أيّها الرجل الهادئ والكاتب الجميل.















