بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

نظام عالمي

حرب الولاية القضائية.. “اليوم الاقتصادي الموعود” يفتح جبهة أمريكية صينية فوق إيران

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تفتح واشنطن جبهة جديدة ضد طهران، لكن هذه المرة تتجاوز إيران وقدرة العقوبات الأمريكية على خنق اقتصادها، لتتناول سؤالاً أوسع يمس قواعد النظام الاقتصادي العالمي: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة فرض قوانينها على شركات ودول تقع خارج حدودها، ومتى تتحول مقاومة تلك القوانين إلى معركة على السيادة؟

حين أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب ما وصفه وزير الخزانة سكوت بيسنت بـ”اليوم الاقتصادي الموعود”، لم تكن تستهدف شرايين الاقتصاد الإيراني فحسب، بل وضعت الصين أمام اختبار بالغ الحساسية؛ فبكين هي المشتري الأكبر للنفط الإيراني، فيما تعتمد واشنطن على العقوبات الثانوية لدفع الشركات والبنوك وشبكات النقل إلى الاختيار بين التعامل مع طهران أو الحفاظ على وصولها إلى النظام المالي الأمريكي.

هنا تحديداً ينتقل الصراع من ملف العقوبات إلى حرب الولاية القضائية، إذ إن الولايات المتحدة تستخدم قوة الدولار والأسواق والمؤسسات المالية التابعة لها لتوسيع نطاق قوانينها خارج أراضيها، بينما تحاول الصين بناء جدار قانوني ومالي يحول دون انتقال هذه القواعد إلى داخل اقتصادها.

سلاح الدولار خارج الحدود

تستند واشنطن في جزء أساسي من سياستها تجاه إيران إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية، المعروف اختصاراً بـ (IEEPA)، وإلى منظومة واسعة من القوانين والأوامر التنفيذية التي تمنح الرئيس ووزارة الخزانة أدوات لمعاقبة الكيانات التي تهدد المصالح والأمن القومي الأمريكي.

لكن قوة هذه الأدوات لا تأتي من القانون وحده؛ فالولايات المتحدة تمتلك نفوذاً استثنائياً على النظام المالي العالمي، يجعل الوصول إلى الدولار والمصارف والأسواق الأمريكية امتيازاً بالغ القيمة بالنسبة إلى معظم المؤسسات الدولية. وهنا تظهر فعالية العقوبات الثانوية؛ فواشنطن لا تحتاج بالضرورة إلى السيطرة المباشرة على شركة صينية حتى تؤثر في سلوكها؛ يكفي أن تجعل استمرار تعاملها مع إيران أكثر كلفة من الانسحاب من السوق الإيرانية.

وقد استهدفت وزارة الخزانة الأمريكية بالفعل مصافي صينية مستقلة وشبكات شحن ووسطاء متهمين بتسهيل تجارة النفط الإيراني، في محاولة لرفع تكلفة شراء الخام الإيراني على الشركات الصينية. وتزداد أهمية هذه السياسة مع اعتماد طهران بدرجة كبيرة على السوق الصينية لتصريف صادراتها النفطية.

لكن المشكلة التي تواجه واشنطن هي أن الاقتصاد الصيني ليس مجرد مجموعة شركات يمكن إخضاعها بالضغط المالي التقليدي. إنه اقتصاد ضخم يمتلك بنوكه وشبكات دفعه وعملته وسلاسل توريده وأسواقه المحلية، وهو ما يمنح بكين مساحة أوسع للمناورة.

بكين ترد بالقانون

لم تعد الصين تكتفي بالاحتجاج الدبلوماسي على العقوبات الأمريكية، فقد طورت خلال السنوات الأخيرة منظومة قانونية مضادة تسمح لها بمواجهة ما تعتبره تطبيقاً غير مبرر للقوانين الأجنبية داخل الأراضي الصينية.

ويأتي في مقدمة هذه الأدوات قانون حظر الامتثال للقوانين الأجنبية غير المبررة، الذي يتيح لبكين منع الكيانات الصينية من تنفيذ بعض الإجراءات الأجنبية التي ترى السلطات الصينية أنها تنتهك القانون الدولي أو السيادة الصينية.

الأكثر دلالة أن هذه الأداة لم تعد نظرية. ففي مايو/أيار، أعلنت وزارة التجارة الصينية اتخاذ إجراءات حظر ضد عقوبات أمريكية استهدفت خمس شركات صينية مرتبطة بتجارة النفط الإيراني. هذه الخطوة تحمل دلالة أكبر من حجم الشركات المستهدفة؛ فهي تعني أن بكين مستعدة للانتقال من الاعتراض على العقوبات الأمريكية إلى إنشاء جدار قانوني داخل الصين ضد آثارها.

وهنا تجد الشركات الصينية نفسها أمام معادلة غير مسبوقة: قد يؤدي الامتثال للعقوبات الأمريكية إلى تعريضها لإجراءات من بكين، فيما يؤدي تجاهلها إلى خطر فقدان الوصول إلى النظام المالي الأمريكي. إنه ما يمكن وصفه بـالفخ السيادي: شركة واحدة، لكن قانونين متعارضين، وسلطتان تدعي كل منهما حق تنظيم سلوكها.

تحصين سلاسل التجارة

تستند قدرة الصين على مقاومة الضغط الأمريكي أيضاً إلى تغيّر بنية تجارة النفط الإيراني نفسها؛ فجزء كبير من الخام الإيراني المتجه إلى الصين لا يعتمد على المسارات المالية التقليدية التي تمنح واشنطن أكبر قدر من النفوذ. وتستخدم شبكات من الوسطاء والشركات التجارية والناقلات وترتيبات الدفع التي تقلل الاعتماد على البنوك الغربية، فيما تتم بعض المعاملات باليوان أو عبر ترتيبات مالية لا تمر بالضرورة عبر المؤسسات الأمريكية. لكن من الخطأ اعتبار هذه المنظومة محصنة بالكامل.

لا تزال الولايات المتحدة قادرة على استهداف شركات الشحن والتأمين والموانئ والمصارف والوسطاء، كما تستطيع فرض عقوبات على الكيانات التي تصل معاملاتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى النظام المالي الأمريكي. لذلك فإن المعركة ليست بين نظام أمريكي قادر على فرض كل شيء ونظام صيني لا يمكن اختراقه، بل بين شبكتين اقتصاديتين تحاول كل منهما تقليص نقاط ضعفها وتوسيع نقاط الضغط على الطرف الآخر. وهذا ما يجعل العقوبات الإيرانية مختبراً مهماً للمستقبل.

وكلما نجحت الصين في إجراء تجارة استراتيجية مع إيران من دون الاعتماد على القنوات المالية الغربية، تقلصت قدرة العقوبات الأمريكية على تحقيق أثرها الكامل. وكلما تمكنت واشنطن من العثور على نقاط اتصال جديدة بين الشركات الصينية والنظام المالي العالمي، بقيت العقوبات أداة ضغط فعالة.

إيران مختبر الصدام

تكمن أهمية المواجهة الحالية في أنها تضع إيران في قلب اختبار أكبر بكثير من اقتصادها. بالنسبة إلى واشنطن، تمثل إيران نموذجاً لدولة يمكن استخدام العقوبات لعزلها عن الأسواق العالمية، وإجبار الأطراف الثالثة على الاختيار بين التعامل معها أو الحفاظ على علاقاتها بالنظام الاقتصادي الذي تقوده الولايات المتحدة.

أما بالنسبة إلى بكين، فالقضية تتجاوز طهران. فإذا قبلت الصين بأن تفرض واشنطن قواعدها على الشركات الصينية كلما تعاملت مع دولة تستهدفها الولايات المتحدة، فإن ذلك يخلق سابقة يمكن أن تمتد لاحقاً إلى ملفات أكثر حساسية، من روسيا إلى بحر الصين الجنوبي وتايوان.

لهذا السبب تبدو المواجهة الحالية بمثابة بروفة قانونية واقتصادية لصراعات أكبر؛ ففي حال اندلاع أزمة حول تايوان مثلاً، قد تجد الشركات الصينية نفسها أمام موجة عقوبات غربية واسعة، بينما يمكن لبكين أن تستخدم القوانين المضادة نفسها لمنع تنفيذ تلك الإجراءات داخل أراضيها.

عندها لن تكون المعركة حول إيران أو تايوان وحدهما، بل حول سؤال جوهري: من يملك حق تحديد قواعد التجارة العالمية عندما تتعارض القوانين الوطنية للقوى الكبرى؟

نهاية احتكار العقوبات؟

لا يعني هذا أن عصر العقوبات الأمريكية يقترب من نهايته؛ فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك مجموعة من أقوى أدوات الضغط الاقتصادي في العالم، وفي مقدمتها الدولار، وسوقها المالية، وشبكة التحالفات الغربية، ونفوذها على المؤسسات المصرفية وشركات التأمين والنقل والتكنولوجيا. لكن التحدي الحقيقي الذي تفرضه الصين يتمثل في جعل هذه الأدوات أقل شمولاً وأكثر تكلفة.

فإذا تمكنت بكين من تطوير منظومة تجارية ومالية وقانونية تسمح للشركات الصينية بالتعامل مع الدول المستهدفة من دون خسارة ارتباطها بالاقتصاد الأمريكي، فإن العقوبات ستظل مؤثرة، لكنها لن تكون بالضرورة قادرة على فرض النتيجة السياسية التي تريدها واشنطن.

وهنا تكمن أهمية “اليوم الاقتصادي الموعود”، إذ إن المعركة ليست فقط حول كمية النفط الإيراني التي ستصل إلى الصين، ولا عدد الشركات التي ستدرجها وزارة الخزانة الأمريكية على لوائح العقوبات، المعركة الأعمق تدور حول حدود السيادة الاقتصادية في عصر العولمة.

اختبار قوة الدولار وصعود البدائل 

على مدى عقود، استفادت واشنطن من حقيقة أن معظم الاقتصاد العالمي يمر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر بنية مالية غربية تمنح الولايات المتحدة قدرة استثنائية على تطبيق قوانينها خارج حدودها. لكن صعود الصين، وتوسع التجارة بالعملات المحلية، وتطوير شبكات دفع بديلة، وتنامي التشريعات المضادة للعقوبات، كلها عوامل بدأت تغير المعادلة.

إذا نجحت واشنطن في إجبار بكين على تقليص تجارتها النفطية مع إيران، فستكون قد أثبتت أن قوة الدولار لا تزال قادرة على فرض قواعدها حتى على أكبر منافسيها. أما إذا نجحت الصين في حماية شركاتها وشبكات تجارتها من العقوبات الثانوية، فستكون قد خطت خطوة إضافية نحو عالم لا تختفي فيه العقوبات الأمريكية، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على العمل كـسلاح عالمي منفرد.

وفي الحالتين، لن تكون إيران سوى ساحة الاختبار الأولى في معركة أكبر: معركة من يملك سلطة كتابة القواعد الاقتصادية للعالم، ومن يملك القدرة على إجبار الآخرين على الالتزام بها.