بقلم محرّر الشؤون السياسية: جيرار لوغرود
بقلم محرّر الشؤون السياسية: جيرار لوغرود

مقالات مشابهة

استطلاع رأي

حرب إيران وتضخم الاقتصاد يبددان شعبية الرئيس.. تراجع التأييد الشعبي لترامب إلى أدنى مستوى منذ ولايته الأولى

بقلم محرّر الشؤون السياسية: جيرار لوغرود
بقلم محرّر الشؤون السياسية: جيرار لوغرود

تلقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضربة سياسية جديدة مع هبوط نسبة تأييده الشعبي إلى أدنى مستوى منذ ولايته الأولى في ديسمبر/كانون الأول 2017، في وقت تتزايد فيه مخاوف الأمريكيين من أن يتحول الصراع مع إيران إلى استنزاف طويل ومكلف يهدد بإضعاف أحد أبرز تعهدات الرئيس للناخبين، وهو السيطرة على التضخم وتجنب التورط في حروب ممتدة.

أظهر أحدث استطلاع أجرته رويترز/إبسوس، شمل 1166 بالغاً أمريكياً، أن 33% فقط من الأمريكيين يوافقون على أداء ترامب في البيت الأبيض، مقابل 64% لا يوافقون عليه. لتتراجع نسبة التأييد من 35% في استطلاع أُجري في وقت سابق من أغسطس/آب الجاري.

انحسار في ظل اختبار مزدوج

يمثل الرقم الجديد تراجعاً واضحاً عن الزخم الذي رافق عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني 2025، عندما كان أقل بقليل من نصف الأمريكيين يوافقون على أدائه الرئاسي. لكن أهمية النسبة الحالية لا تكمن في مستواها المتدني فحسب، بل في توقيتها أيضاً. فقد تراجعت شعبية ترامب في مرحلة تواجه فيها إدارته اختباراً سياسياً واقتصادياً مزدوجاً: حرب مع إيران لم تنتهِ بالسرعة التي وعد بها، وارتفاع في أسعار المحروقات بدأ يضغط على الأسر الأميركية.

وكان ترامب قد خاض حملته الانتخابية على وعود بإبقاء التضخم تحت السيطرة، وخفض تكاليف المعيشة، وتجنب الحروب الطويلة التي استنزفت الولايات المتحدة خلال العقود الماضية. لذلك فإن استمرار الصراع مع إيران يضعه أمام مفارقة سياسية واضحة: الرئيس الذي بنى جزءاً كبيراً من جاذبيته الانتخابية على شعار إنهاء الحروب يجد نفسه أمام صراع قد يطول، فيما يدفع الناخب الأمريكي كلفة اقتصادية مباشرة له.

النفط والبنزين.. الكلفة تطال جيوب الناخب

أدى دخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانب إسرائيل في الضربات ضد إيران إلى اضطراب أحد أهم ممرات الطاقة العالمية، بعدما تأثرت حركة التجارة النفطية عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. لترتفع أسعار الخام والبنزين، وتتحول الحرب من قضية جيوسياسية بعيدة بالنسبة لكثير من الأمريكيين إلى عامل ملموس في حياتهم اليومية. 

وكان ترامب قد حاول الدفاع عن ارتفاع أسعار البنزين، قائلاً خلال تجمع انتخابي في غاردن سيتي بولاية نيويورك، إن دفع “قليل أكثر” مقابل الوقود يستحق ذلك لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.

غير أن المشكلة السياسية تكمن في أن الناخبين قد لا ينظرون إلى هذه الكلفة من المنظور الأمني نفسه الذي تتبناه الإدارة. فالاستطلاع أظهر أن واحداً فقط من كل خمسة أمريكيين يرى أن الحرب كانت تستحق كلفتها، فيما لم يتجاوز هذا الرأي نصف الجمهوريين.

توقعات بحرب لأسابيع.. ولكن!

توقع ترامب في بداية الصراع أن تستمر المواجهة مع إيران بضعة أسابيع فقط. إلا أن تطورات الحرب جاءت أكثر تعقيداً، إذ أثبتت إيران قدرتها على الصمود، واستمرت في عرقلة حركة النفط عبر مضيق هرمز إلى حد كبير، حتى مع تراجع حدة المواجهات العسكرية.

والأهم أن الناخبين أنفسهم لم يعودوا يتوقعون نهاية قريبة للصراع. فقد قال 80% من الأمكيريين إن مشاركة الولايات المتحدة في إيران ستستمر فترة طويلة، مقابل 16% فقط توقعوا انتهاء الصراع خلال أسابيع قليلة.

وتكشف الأرقام عن توافق نادر نسبياً بين الحزبين: يعتقد 87% من الديمقراطيين و71% من الجمهوريين أن التدخل الأمريكي سيستمر فترة ممتدة. وهذا يعني أن القلق لا يقتصر على معارضي حرب ترامب، بل يمتد إلى جزء كبير من قاعدته أيضاً.

ويزيد ذلك من صعوبة مهمة الرئيس، خصوصاً أنه تبنى خلال الحرب رسائل متناقضة، فتارة يهدد بالتصعيد وتارة أخرى يؤكد أن اتفاق سلام بات قريباً. وكلما طال أمد الحرب من دون نتيجة واضحة، أصبح من الأصعب على الإدارة إقناع الناخبين بأن الكلفة الاقتصادية والعسكرية والسياسية تتناسب مع المكاسب المتحققة.

الاقتصاد يعود إلى قلب المعركة الانتخابية

لا تقتصر مؤشرات التراجع على ملف الحرب. فالاستطلاع يحمل تطوراً بالغ الأهمية بالنسبة إلى الانتخابات النصفية المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، إذ أظهر أن الديمقراطيين يتقدمون على الجمهوريين للمرة الأولى منذ نحو عقد في نظر الناخبين بشأن الحزب الأقدر على إدارة الاقتصاد.

وقال 38% من الناخبين إن الديمقراطيين أفضل في إدارة الاقتصاد، مقابل 35% ممن يفضلون النهج الجمهوري. كما بات الديمقراطيون يُنظر إليهم باعتبارهم أكثر قدرة على التعامل مع تكاليف المعيشة.

ويمثل ذلك تحولاً مهماً بالنسبة إلى الجمهوريين، الذين اعتمدوا تاريخياً على صورة الحزب الأكثر كفاءة في إدارة الاقتصاد، ولا سيما عندما تكون قضايا التضخم والأسعار في صدارة اهتمامات الناخبين.

الهجرة.. ورقة الجمهوريين تتقلص

لا تزال الهجرة تمثل إحدى نقاط القوة السياسية للجمهوريين، لكن الاستطلاع يشير أيضاً إلى تراجع الفارق الذي تمتع به الحزب منذ عودة ترامب إلى السلطة.

وقال 40% من الناخبين المسجلين إن الجمهوريين أفضل في إدارة سياسة الهجرة، مقابل 38% للديمقراطيين. ورغم استمرار تقدم الجمهوريين، فإن الفارق البالغ نقطتين مئويتين فقط هو الأصغر خلال ولاية ترامب الحالية.

ويكتسب هذا التراجع أهمية أكبر عند مقارنته ببداية ولاية ترامب، عندما كان الجمهوريون يتقدمون بفارق 26 نقطة مئوية في يناير/كانون الثاني 2025.

اختبار حقيقي لسياسة “أمريكا أولاً”

في جوهر الأمر، يعكس الاستطلاع اختباراً للمفارقة التي تواجه مشروع ترامب السياسي نفسه. فقد وعد الرئيس بإعادة تعريف الدور الأمريكي في العالم على أساس المصالح المباشرة للولايات المتحدة، لكنه يجد نفسه الآن أمام حرب تؤثر في سوق الطاقة العالمي، وترفع تكاليف الوقود، وتستنزف رأس المال السياسي الذي يحتاج إليه داخلياً.

وبينما يستطيع ترامب الدفاع عن الحرب باعتبارها ضرورة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإن استمرارها لفترة أطول من المتوقع قد يجعل السؤال الأساسي لدى الناخبين أقل ارتباطاً بسبب الحرب وأكثر ارتباطاً بكلفتها ونتائجها.

قد يصبح الفارق بين هذين المنظورين حاسماً خلال الأشهر المقبلة: فإذا نجحت الإدارة في الوصول إلى تسوية سريعة وتحقيق نتيجة يمكن تقديمها باعتبارها انتصاراً استراتيجياً، فقد يستعيد ترامب جزءاً من زخمه. أما إذا استمرت المواجهة، وظلت أسعار الوقود مرتفعة، ولم تظهر نهاية واضحة للحرب، فإن ملف إيران قد يتحول إلى أحد أكبر مصادر الضعف السياسي للرئيس قبل انتخابات نوفمبر.