بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

حراك مدني

حراك “26 يونيو” في غزة يكشف حدود الاحتجاج الشعبي بين قبضة “حماس” الأمنية والأزمة الإنسانية وغياب التنظيم

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

لم ينجح “حراك 26 يونيو” في قطاع غزة في التحوّل إلى موجة احتجاج شعبية واسعة، رغم الزخم الذي سبق موعده على منصات التواصل الاجتماعي وحجم التفاعل مع الدعوات المطالبة بالنزول إلى الشارع. وبينما عكس الحراك وجود حالة من السخط الشعبي تجاه تردي الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، كشف في المقابل حدود قدرة الشارع الغزي على إنتاج احتجاج واسع ومنظم في ظل بيئة أمنية وسياسية تضبطها حركة “حماس” بوصفها سلطة أمر واقع في المناطق التي لا تزال تديرها داخل القطاع.

جاء الحراك في واحدة من أقسى المراحل التي يعيشها القطاع، حيث تتداخل آثار الحرب والدمار والانهيار الاقتصادي مع أزمة إنسانية غير مسبوقة، ما جعل الاحتجاجات تواجه معادلة مركبة تجمع بين القبضة الأمنية، وغياب قيادة واضحة، واستنزاف المجتمع، وخوف عميق من أن تتحول أي محاولة اعتراض إلى كلفة شخصية أو عائلية يصعب احتمالها. 

دور “حماس” الأمني في احتواء الحراك

شكلت الإجراءات التي اتخذتها الأجهزة الأمنية التابعة لـ”حماس” أحد أبرز العوامل التي حدّت من توسع الاحتجاجات ميدانياً. فمنذ الأيام التي سبقت موعد 26 يونيو/جزيران، تحدثت تقارير إعلامية وشهادات ناشطين عن استدعاءات وتحذيرات وعمليات متابعة استهدفت أشخاصاً اتُّهموا بالمشاركة في الدعوات أو الترويج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ومع حلول يوم الاحتجاج، انتشرت عناصر أمنية في عدد من الساحات والمناطق التي جرى تداولها كنقاط تجمع محتملة، الأمر الذي صعّب على المشاركين تشكيل تجمعات كبيرة أو الحفاظ عليها. كما أسهم الحضور الأمني المكثّف، إلى جانب مخاوف الاعتقال أو الملاحقة، في تقليص أعداد المشاركين ودفع كثيرين إلى التراجع عن النزول إلى الشارع.

ويرى مراقبون أن اعتماد “حماس” على إجراءات استباقية بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع الاحتجاج بعد انطلاقه، سمح باحتواء الحراك في مراحله الأولى ومنع تحوله إلى موجة احتجاج متواصلة. 

غياب القيادة المنظمة

إلى جانب العامل الأمني، عانى الحراك من ضعف واضح في بنيته التنظيمية. فقد انطلقت الدعوات بصورة رئيسة عبر منصات التواصل الاجتماعي ومن خلال مجموعات شبابية مستقلة، من دون وجود قيادة معلنة أو إطار سياسي يتولى إدارة التحرك وتنسيق فعالياته.

وأدى هذا الواقع إلى صعوبة توحيد المطالب، وتنظيم نقاط التجمع، والتعامل مع التطورات الميدانية، كما حدّ من قدرة المشاركين على الاستمرار بعد الساعات الأولى من الاحتجاج.

في المقابل، لم تنخرط الفصائل الفلسطينية الأخرى في دعم الحراك بصورة مباشرة، سواء بسبب حساباتها السياسية أو خشيتها من الانزلاق إلى مواجهة داخلية، الأمر الذي ترك المنظمين يواجهون الضغوط الأمنية بمفردهم. 

بيئة معيشية تحدّ من الاحتجاج

لا يمكن فهم محدودية المشاركة بعيداً عن الظروف الإنسانية التي يعيشها سكان قطاع غزة. فالأولوية بالنسبة إلى غالبية السكان باتت تأمين الاحتياجات الأساسية في ظل نقص الغذاء والمياه والخدمات الصحية، إضافة إلى تراجع فرص العمل واتساع رقعة الفقر.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح الانخراط في احتجاجات سياسية قراراً مكلفاً، إذ يخشى كثيرون أن تؤدي المشاركة إلى التعرض للمساءلة الأمنية أو خسارة مصادر دخلهم المحدودة، من دون وجود ضمانات بإحداث تغيير ملموس في الواقع القائم.

كما أن سنوات الصراع والانقسام الفلسطيني أفرزت حالة من الإحباط لدى قطاعات واسعة من المجتمع، انعكست في تراجع الثقة بقدرة الاحتجاجات المحدودة على إحداث تحول سياسي أو اقتصادي حقيقي.

وأعاد حراك “26 يونيو” التأكيد على اتساع الفجوة بين النشاط الرقمي والقدرة على الحشد في الشارع. فبينما حققت الدعوات انتشاراً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، اصطدمت على الأرض بعوامل أكثر تعقيداً، أبرزها القيود الأمنية، وضعف التنظيم، والظروف الإنسانية الصعبة.

ويؤكد ذلك أن نجاح الحملات الرقمية لا يعني بالضرورة قدرتها على إنتاج حركة احتجاجية واسعة، خصوصاً في البيئات التي تفرض قيوداً مشددة على حرية التجمع والتنظيم.

هل انتهت أسباب الاحتجاج؟

على الرغم من محدودية النتائج الميدانية، فإن الحراك عكس استمرار حالة من الاحتقان داخل قطاع غزة، مرتبطة بتراكم الأزمات الاقتصادية والإنسانية والسياسية. كما أظهر في الوقت نفسه استمرار قدرة “حماس” على السيطرة على المجال العام عبر أدواتها الأمنية والإدارية، وهو ما يجعل أي تحرك شعبي مستقبلي بحاجة إلى بنية تنظيمية أكثر تماسكاً وظروف سياسية مختلفة إذا أراد تجاوز العقبات التي واجهها حراك “26 يونيو”.

في المقابل، لا يعني احتواء الاحتجاجات انتهاء أسبابها، إذ لا تزال الأزمات التي دفعت إلى إطلاق الدعوات قائمة، بل إن كثيراً من المؤشرات الإنسانية والاقتصادية تشير إلى استمرار الضغوط على سكان القطاع. ومن ثم، فإن المشهد الحالي يعكس معادلة مزدوجة: قدرة “حماس” على ضبط المجال الأمني من جهة، واستمرار عوامل التوتر المجتمعي من جهة أخرى، وهي معادلة قد تبقى حاكمة لمستقبل أي تحركات احتجاجية في غزة خلال المرحلة المقبلة.