تتغير خرائط التجنيد المتطرف بوتيرة أسرع من قدرة سياسات مكافحة الإرهاب على مواكبتها. فالمواجهة تتجاوز اليوم التنظيمات التي ترسل مجنّديها إلى الأحياء والجامعات ودور العبادة، بعدما انتقل التهديد الأكثر تعقيداً إلى داخل المنصات الرقمية. حيث تدفع خوارزميات التوصية ومجتمعات الألعاب وغرف الدردشة بعض الشباب تدريجياً من الفضول إلى التطرف، ومن التفاعل إلى الاستعداد للعنف.
يمس هذا التحول مفهوم التجنيد نفسه. فبدلاً من بناء خلايا منظمة ذات هياكل واضحة، تستفيد الجماعات المتطرفة من بنية رقمية قائمة أصلاً، وتترك للخوارزميات مهمة إيصال الرسائل، وفرز الجمهور الأكثر قابلية للتأثر، وإبقائه داخل دوائر محتوى تزداد حدة بمرور الوقت.
يحذر تحليل حديث صادر عن الشرطة الجنائية الدولية “الإنتربول” من تصاعد استهداف الشباب والقاصرين داخل البيئة الرقمية، ومن اختصار دورة التطرف إلى أسابيع في بعض الحالات. وتكمن أهمية التحذير في كشفه انتقال المواجهة من ملاحقة التنظيمات وحدها إلى تفكيك البنية التقنية التي تسرّع الاستقطاب وتخفي مراحله المبكرة.
التجنيد من دون مجنّد
كانت نماذج مكافحة الإرهاب التقليدية تفترض وجود جهة منظمة ترصد الأفراد، تتواصل معهم، تختبر ولاءهم، ثم تدمجهم في شبكة أو خلية. أما اليوم، فقد تبدأ العملية من دون اتصال مباشر.
يشير الإنتربول إلى أن خوارزميات منصات التواصل قد تدفع المستخدم نحو مواد أكثر تطرفاً بناءً على سلوكه الرقمي؛ ما يشاهده، وما يعجبه، وما يعلّق عليه، وما يعيد نشره. عندها تتحول حركة المستخدم نفسها إلى مؤشر على قابليته للاستهداف، قبل أن يبدأ التواصل المباشر معه برسالة تبدو بريئة أو دعابة تختبر رد فعله.
التحول هنا جوهري. التنظيم لا يحتاج إلى إقناع الشاب دفعة واحدة. يكفي أن يضعه داخل مسار محتوى يكرر المظلومية، ويبسّط العالم إلى خصوم وضحايا، ويمنح العنف مظهراً بطولياً أو انتقامياً أو حتى ترفيهياً.
تختفي لحظة التجنيد الواضحة، ويحل مكانها تراكم بطيء للتعرض، لكنه سريع الأثر. ولذلك تصبح مهمة أجهزة الأمن أكثر تعقيداً؛ لأنها لا تبحث دائماً عن عضو في تنظيم، بل عن مستخدم عادي يتحرك داخل بيئة رقمية قد تدفعه تدريجياً نحو التطرف من دون أن يدرك المحيطون به متى بدأ التحول.
الألعاب الإلكترونية تتحول إلى بيئة تشغيل
تولي التقارير الأمنية اهتماماً متزايداً للألعاب الإلكترونية ومجتمعات الدردشة المرتبطة بها، لا لأن الألعاب بحد ذاتها تنتج التطرف، بل لأنها توفر بيئة مثالية للاتصال بالشباب بعيداً عن الرقابة التقليدية.
تجمع هذه المساحات بين كثافة الحضور، وطول مدة الاستخدام، وإمكان بناء الثقة تدريجياً، واستخدام لغة مشتركة لا تبدو أمنية أو أيديولوجية. ويقول تحليل الإنتربول إن غرف المحادثة داخل الألعاب قد تتيح الوصول إلى أعداد كبيرة من الأطفال مع مستوى منخفض من المخاطر بالنسبة إلى من يحاول استهدافهم.
وقد تحركت أجهزة إنفاذ القانون الأوروبية بالفعل نحو هذه البيئة. ففي نوفمبر 2025 نسّق “يوروبول” عملية دولية ضد محتوى إرهابي وعنصري وكاره للأجانب على منصات الألعاب والمنصات المرتبطة بها. كما أحال، في عملية أخرى خلال يونيو 2025، أكثر من ألفي رابط يتضمن دعاية جهادية ويمينية متطرفة تستهدف القاصرين.
هذه العمليات تكشف أن منصات الألعاب لم تعد هامشاً في مكافحة الإرهاب، لكنها تكشف أيضاً حدود الاستجابة القائمة على إزالة الروابط. إن حذف المحتوى قد يعطل مادة بعينها، لكنه لا يعالج الشبكات الاجتماعية المصغرة التي نشأت حولها، ولا اللغة المشفرة، ولا انتقال المستخدمين بين المنصات العامة والمجموعات المغلقة.
تطرف بلا عقيدة متماسكة
من أكثر التحولات دلالة تراجع الحاجة إلى أيديولوجيا واحدة متماسكة. يرصد “الإنتربول” ما يوصف بـ”أيديولوجيا البوفيه المفتوح”، حيث يختار الفرد عناصر متفرقة من اتجاهات مختلفة أو متناقضة، ثم يعيد تركيبها داخل رؤية شخصية للعالم، فيما يبقى العنف القاسم المشترك بينها.
قد يجمع الشاب بين محتوى جهادي، وخطاب يميني متطرف، وكراهية النساء، والعدمية، ونظريات المؤامرة، من دون أن ينتمي تنظيمياً إلى أي تيار منها. وقد لا تكون لديه غاية سياسية واضحة أصلاً؛ بل شعور بالغضب أو الإقصاء أو الرغبة في الاعتراف، يجد في العنف وسيلة لإثبات الذات أو الانتقام.
وهذا يربك التصنيفات الأمنية القديمة. فالأجهزة تستطيع ملاحقة تنظيم معروف أو مراقبة خطاب أيديولوجي محدد، لكنها تواجه صعوبة أكبر مع أفراد يتنقلون بين سرديات متعددة، ويصنعون لأنفسهم خليطاً متطرفاً لا يتطابق مع ملفات التهديد المألوفة.
كما يضعف هذا النمط قدرة الأسرة والمدرسة والمجتمع على اكتشاف الخطر. فالشاب قد لا يستخدم شعارات تنظيمية واضحة، ولا يظهر انتماءً سياسياً مستقراً، لكنه يتشبع تدريجياً بثقافة تمجّد العنف، وتحوّل الإيذاء إلى أداة تعبير أو خدمة قابلة للبيع.
العنف كخدمة مدفوعة
يضيف تقرير “الإنتربول” ظاهرة أكثر خطورة: “العنف كخدمة”. في هذا النموذج، لا يحتاج المحرّض إلى تجنيد الشاب أيديولوجياً بالكامل، بل يعرض عليه مبلغاً محدوداً لتنفيذ اعتداء، مستفيداً من حاجته المالية، أو اندفاعه، أو اعتقاده بأن صغر سنه سيخفف العقوبة.
التحول من التجنيد العقائدي إلى التكليف المدفوع يفتح تقاطعاً جديداً بين الإرهاب والجريمة المنظمة والعنف الفردي. الشخص الذي يصدر الأمر يبقى بعيداً عن مسرح الجريمة، بينما يُستخدم القاصر كأداة تنفيذ منخفضة الكلفة وعالية القابلية للإنكار.
وهنا يصبح سؤال الدافع أكثر تعقيداً. هل المنفذ متطرف؟ أم مأجور؟ أم متأثر بالعنف الرقمي؟ أم يجمع الحالات الثلاث؟ هذا الالتباس لا يغيّر خطورة النتيجة، لكنه يغيّر أدوات الوقاية والتحقيق والملاحقة.
كما يكشف أن المشكلة لم تعد محصورة في الدعاية. البيئة الرقمية أصبحت سوقاً يمكن عبرها تحديد الشخص القابل للاستغلال، واختباره، والتفاوض معه، وإعطاؤه تعليمات، ثم قطع الصلة به.
مسؤولية المنصات
يوصي “الإنتربول” بتطوير سرديات رقمية مضادة، وإنشاء مساحات إلكترونية تخاطب الشباب الوحيدين أو المحبطين، إلى جانب تعزيز مراقبة شركات التكنولوجيا للمحتوى المتطرف والإبلاغ الفوري عن الأنشطة المريبة.
لكن هذه التوصيات تفتح مشكلة سياسية وقانونية أوسع. زيادة المراقبة قد تساعد في اكتشاف الخطر، لكنها قد تتحول أيضاً إلى توسع غير منضبط في تصنيف المحتوى والمستخدمين، خصوصاً عندما تكون اللغة الساخرة أو الرموز أو مجتمعات الألعاب قابلة لتفسيرات متعددة.
كما أن تحميل المنصات مسؤولية الرصد لا يكفي إذا بقي نموذجها الاقتصادي قائماً على تعظيم التفاعل. الخوارزمية لا تميز أخلاقياً بين محتوى صحي وآخر متطرف؛ هي تفضّل، في الأساس، ما يبقي المستخدم متصلاً، وما يدفعه إلى المشاهدة والتعليق والمشاركة.
لذلك لا يمكن معالجة المشكلة فقط عبر حذف الحسابات بعد ظهور الخطر. المطلوب اختبار كيفية بناء مسارات التوصية نفسها، ومدى مساهمتها في عزل المستخدم داخل حلقات متزايدة الحدة، وما إذا كانت الشركات مستعدة لتقليل الانتشار حتى عندما يتعارض ذلك مع مؤشرات التفاعل والأرباح.
وتبقى المقاربة الأمنية وحدها محدودة. فـ”الإنتربول” نفسه يربط قابلية الشباب للتطرف بالعزلة الاجتماعية، وضعف التفكير النقدي، والبحث عن الانتماء والدعم. وهذا يعني أن ما يبدو تهديداً أمنياً في نهايته يبدأ غالباً كفجوة اجتماعية أو نفسية أو تعليمية لم تعالج في وقت مبكر.
من مراقبة التنظيمات إلى المسارات
التحول الأكبر الذي تفرضه الظاهرة هو انتقال مكافحة الإرهاب من مراقبة التنظيمات إلى فهم المسارات. لم يعد السؤال فقط: إلى أي جماعة ينتمي الفرد؟ بل: ما نوع المحتوى الذي يستهلكه؟ كيف يتغير خطابه؟ من يتواصل معه؟ وهل ينتقل من التعبير عن الغضب إلى تبرير العنف، ثم إلى التخطيط له؟
هذا التحول يحتاج إلى تعاون أعمق بين أجهزة الأمن، والمدارس، والمؤسسات الاجتماعية، وخبراء حماية الطفل، وشركات التكنولوجيا. لكنه يحتاج أيضاً إلى حدود واضحة تمنع تحويل كل غضب شبابي أو خطاب صادم إلى مؤشر إرهابي. التحدي ليس في مراقبة عدد أكبر من الشباب، بل في بناء قدرة أكثر دقة على التمييز بين الاحتجاج، والانحراف السلوكي، والتعرض للمحتوى المتطرف، والاستعداد الفعلي للعنف.
ما يكشفه تقرير “الإنتربول” ليس مجرد ارتفاع في تطرف الشباب، بل نشوء بنية تجنيد جديدة: أسرع، وأقل مركزية، وأكثر التصاقاً بالحياة الرقمية اليومية. وفي هذه البنية، لا تعمل التنظيمات خارج المنصات، بل داخل منطقها؛ تستفيد من التوصية، والتجزئة، والمجتمعات المغلقة، والبحث المستمر عن التفاعل.
لذلك، فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط بين أجهزة الأمن والتنظيمات المتطرفة. ستكون أيضاً حول من يصمم البيئة الرقمية التي يتحرك داخلها الشباب، ومن يقرر ما يصل إليهم، ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول الخوارزمية من أداة اقتراح إلى جزء من مسار يقود نحو العنف.










