لم يعد ممكناً التعامل مع مؤسسة «القرض الحسن» باعتبارها مجرد جمعية خيرية تقدّم قروضاً صغيرة للمحتاجين. هذه المؤسسة تشكّل عملياً جزءاً عضوياً من المنظومة المالية التابعة لـ«حزب الله» اللبناني، وتؤدي دوراً يتجاوز الإطار الاجتماعي إلى وظيفة استراتيجية في تأمين التمويل وإدارة السيولة خارج سلطة الدولة اللبنانية.
لم يكن إدراج شركة «جود» لتجارة الذهب أخيراً على لائحة العقوبات الأمريكية حدثاً تقنياً عابراً، بل خطوة مباشرة لاستهداف أحد الأعمدة المالية التي تُمكّن الحزب من الالتفاف على النظام المصرفي الرسمي والعقوبات الدولية.
يرتبط «القرض الحسن»، إدارياً ومرجعياً وتنظيمياً، بالحزب ارتباطاً مباشراً، فيما تتركّز خدماته داخل قاعدته الشعبية. ومع انهيار القطاع المصرفي اللبناني، تحوّل هذا الكيان إلى شبكة مالية موازية تدير ودائع ذهبية، وتمنح قروضاً، وتصدر شيكات، وتؤمّن تحويلات داخلية، من دون أي خضوع فعلي لرقابة مصرف لبنان، أو للمعايير الدولية لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
اقتصاد ظلّ خارج الدولة
المشكلة الجوهرية لا تكمن فقط في الارتباط السياسي، بل في تكريس نموذج اقتصادي خارج الدولة. فوجود مؤسسة تمارس وظائف مصرفية كاملة من دون ترخيص مصرفي، ومن دون بيانات مالية مدققة ولا شفافية، يعني عملياً إنشاء «دولة مالية داخل الدولة». وهذا النموذج لا يمكن فصله عن الاستراتيجية الأوسع للحزب، التي تقوم على بناء بنية موازية في الأمن، والخدمات، والاقتصاد.
تعكس العقوبات الأمريكية الأخيرة إدراكاً متزايداً بأن المواجهة مع الحزب لم تعد محصورة بالشبكات الخارجية أو بحركة التحويلات العابرة للحدود، إنما تتمحور حول تفكيك البنية المالية الداخلية التي تتيح له الصمود على الرغم من الضغوط. وإنشاء شركة «جود» لتجارة الذهب، بحسب واشنطن، جاء لتحويل احتياطات الذهب إلى سيولة نقدية قابلة للاستخدام، بما يسمح بتجاوز القيود المفروضة على التحويلات المصرفية.
في بلد انهارت فيه الثقة بالمصارف، أصبح الذهب أداة ادخار رئيسة. لكن تحويله إلى قناة تمويل غير خاضعة للرقابة يضع لبنان بأكمله في مواجهة مباشرة مع النظام المالي العالمي.
تهديد مباشر للنظام المالي اللبناني
لبنان اليوم مدرج على «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المالي (FATF)، ويكافح لتفادي مزيد من العزلة. لذلك، فإن استمرار عمل مؤسسات خاضعة لعقوبات دولية داخل الاقتصاد المحلي يعرّض ما تبقى من القطاع المصرفي لمخاطر جسيمة، أبرزها فقدان العلاقات مع المصارف المراسلة، خصوصاً الأمريكية، ما قد يشلّ أي إمكانية للتعاملات الدولية بالدولار.
المفارقة أن الحزب، الذي يقدّم نفسه كمدافع عن الاستقرار الاجتماعي، يضع الاقتصاد اللبناني في موقع هشّ أمام المجتمع الدولي. فازدواجية النظام المالي تقوّض أي مسعى لإعادة بناء الثقة، وتجعل لبنان يبدو كدولة عاجزة عن فرض سيادتها المالية على كامل أراضيها.
لا شك أن «القرض الحسن» قدّم قروضاً لآلاف المستفيدين بعد الانهيار المصرفي، لكن هذا الدور لا يمكن أن يحجب طبيعته السياسية. فالمؤسسة تعمل بشكل حصري تقريباً داخل بيئة الحزب، وتعزز ارتباط القاعدة الشعبية به عبر آلية مالية تجعل الولاء السياسي متداخلاً مع الأمان الاقتصادي.
هذا التداخل ليس تفصيلاً، فهو يحوّل الخدمة الاجتماعية إلى أداة نفوذ، ويجعل أي ضغط مالي على الحزب يُترجم فوراً إلى ضغط على بيئته، ما يمنحه قدرة على توظيف المعاناة في خطاب سياسي يحمّل الخارج المسؤولية الكاملة.
العقوبات كأداة خنق تدريجي
العقوبات الأخيرة، وخصوصاً استهداف تجارة الذهب، تشير إلى انتقال واشنطن من سياسة الاحتواء إلى سياسة الخنق التدريجي. فبدلاً من الاكتفاء بتجميد أصول خارجية، يجري اليوم تقويض القنوات الداخلية التي تسمح بإعادة تدوير الموارد. وما إعلان صرف بدلات إيواء لثلاثة أشهر فقط، بعدما كانت تُصرف لفترات أطول، إلا انعكاس لضيق مالي لا يمكن تجاهله.
كما أن تقسيط الالتزامات الاجتماعية مؤشر إلى أن الموارد لم تعد بالمرونة نفسها، وأن هامش المناورة يتقلص. وعلى الرغم من أن العقوبات لا تمسّ مباشرة القدرات العسكرية، فإنها تضغط على البنية الداعمة التي تشكل عمق الحزب الاجتماعي.
الضرر لا يقتصر على الحزب. فكلما توسع الاقتصاد الموازي، تقلصت قدرة الدولة على ضبط السيولة، وجباية الضرائب، وإدارة السياسة النقدية. ومع استمرار اعتماد الحزب على شبكات نقدية غير رسمية، يتراجع احتمال إعادة دمج لبنان في النظام المالي العالمي.
الدولة اللبنانية تبدو في موقع المتفرج، عاجزة عن فرض قواعد موحدة أو إغلاق القنوات غير المرخصة. هذا العجز لا يمرّ من دون كلفة: فالمؤسسات الدولية تراقب، والمصارف الأجنبية تتشدد، والاستثمارات تبقى مؤجلة.
البعد الإقليمي.. رسالة مزدوجة
تأتي العقوبات في سياق إقليمي متوتر، حيث يتداخل ملف الحزب مع التفاوض الأمريكي – الإيراني، ومع الحسابات الإسرائيلية. الرسالة واضحة: أي تسوية إقليمية لن تعني غضّ الطرف عن الشبكات المالية للحزب. بل على العكس، قد يُستخدم الضغط المالي كورقة ثابتة لا تتغير بتغير مسار المفاوضات.
إسرائيل تنظر إلى هذه الشبكات كجزء من البنية التي تتيح للحزب الاستمرار في موقعه العسكري. ومن هذا المنظور، فإن إضعاف الشريان المالي يُعد خطوة مكمّلة لأي استراتيجية ردع.
اختبار حاسم للدولة
في النهاية، القضية تتجاوز «القرض الحسن» كشركة أو جمعية. إنها تتعلق بسؤال السيادة المالية: هل تستطيع الدولة اللبنانية فرض قانون موحد على جميع الفاعلين، أم سيستمر وجود كيانات مالية تعمل بحماية سياسية خارج الإطار الرسمي؟
استمرار هذا الواقع يعني تكريس نموذج «الدولة المزدوجة»، حيث توجد سلطة رسمية ضعيفة، وسلطة موازية تملك أدواتها المالية الخاصة. ومع كل حزمة عقوبات جديدة، تتعمق الفجوة بين لبنان والنظام المالي الدولي.
العقوبات قد لا تغيّر سلوك الحزب جذرياً في المدى القريب، لكنها تضعه أمام تحدٍّ مالي متصاعد. أما لبنان، فيجد نفسه أمام خيار صعب، إما استعادة احتكار الدولة للعمل المالي المشروع، أو البقاء رهينة اقتصاد ظلّ يعرّضه لمزيد من العزلة والضغوط.
في ظل هذا المشهد، يبدو أن المواجهة لم تعد سياسية أو عسكرية فقط، بل أصبحت معركة سيادة مالية بامتياز، عنوانها الأبرز: من يملك قرار إدارة المال في لبنان؟















