أثر الكلام

جرائم الحذف والاختصار والتهذيب

أحمد الشَّهاوي
أحمد الشَّهاوي

يُعد “طوق الحمامة” أدقُّ ما كتبَ العربُ في دراسةِ الحُب ومظاهره وأسبابه؛ وهذا ما جعلهُ من أكثر ما أنتجتِ العربية من كتبٍ ترجمةً إلى اللغات الأجنبية، وتقليدًا ومُحاكاةً ونقلًا في الثقافات الأخرى؛ لأنه كتابٌ يبحثُ ويدرُسُ عاطفة الحُب على قاعدة تعتمدُ على شيء من التحليل النفسي من خلال المُلاحظة والتجربة، في وقتٍ لم يكُن العالمُ يعرفُ ما “التحليل النفسي”، حيثُ يعالجُ ابن حزم في أسلوبٍ قصصي هذه العاطفة من منظورٍ إنساني تحليلي، ويعرفُ الجميعُ أنه عملٌ فريدٌ في بابه.

ومن ثم أقبل كثيرٌ من دُور النشر على إعادة نشر الكتاب بوصفه متاحًا ولا حقوق ملكية له، وأغلب الطبعات ظهرت من دُون تحقيقٍ أو ضبطٍ أو مُراجعة، وهناك من لجأ إلى أسماء غير مُتخصِّصة لتُحقِّق الكتاب وتقدِّم له، وهناك من مارس الرَّقابةَ على الكتاب مُعمِلاً الحذفَ، مخافةَ فتنة القرَّاء خُصوصًا النساء، كي لا يُفْسد الكتابُ مُتلقِّيه.

وللأسف هناك تهجُّم وتجرُّؤ على كُتب التراث من بعض الناشرين والمسؤُولين الثقافيين بحجَّة عدم الإضرار بالذوق العام، حتى صرنا نرى كُتبًا تراثيةً تصدرُ وعلى غلافها الأمامي “تبسيط وتهذيب” كأنَّ القارئ مسجونٌ عتيدٌ من فرط إجرامه ويحتاج إلى الإصلاح والتهذيب.

ومثلي لا يعتدُّ إلا بتحقيق الطاهر أحمد مكي أو إحسان عباس لـ”طوق الحمامة”.

وبالطبع لا يمكنُ نسيان تحقيق الشاعر حسن كامل الصيرفي، الذي نشر في القاهرة سنة 1950 مع مقدمة لإبراهيم الأبياري، وكذا تحقيق فاروق سعد الذي نُشر في بيروت سنة 1968، و ك. بتروف (K. Petrof) وهو من أقدم التحقيقات، ونُشر في ليدن (هولندا) سنة 1914 مع مقدمة بالفرنسية.

وفي مصر لدينا درسٌ تاريخيٌّ مهم عندما عاد الطاهر أحمد مكي من إسبانيا إلى مصر وجد طبعةً سابقة من “طوق الحمامة” مليئة بالأخطاء، فاختار أن يحقِّق في الكتاب اعتمادًا على المخطوط، ويُصحِّحَ أسماء الأشخاص والأماكن وغيرها، وهذا هو التحقيق الذي أريده، متمثِّلًا في إنقاذ النصِّ من الخطأ، لا إنقاذ القارئ من النصِّ.

فالتراث ليس كتابًا مدرسيًّا نعيدُ تأليفه كلما تغيَّرَ الذوقُ العام، وإذا كان في النصِّ ما يخالفُ حساسية عصرنا، فلنضع ذلك في مقدمةٍ أو تعليقٍ أو هامشٍ، ولنشرح سياقه التاريخي والأدبي، ولكن لا نمحوه من المتن كأنه لم يكُن موجودًا.

لذلك أؤمنُ بقاعدةٍ بسيطةٍ ألا وهي: حقِّقوا التراث واشرحوه، وعلِّقوا عليه، وترجموا لغته الصعبة، ولكن لا تعيدوا كتابته؛ فمن حقِّ القارئ أن يعرف ماذا قال القدماء فعلًا، لا ماذا نحبُّ نحن أن يقولوا.

أنا لا أريد أن يتحوَّل المحقِّق (أو الناشر) من ناقلٍ للتراث إلى رقيبٍ عليه، وهذه وظيفةٌ مختلفةٌ تمامًا.

ما زلتُ أذكرُ أنَّه قد حُذف فصلٌ كاملٌ من كتاب “ديوان المعاني” لأبي هلال العسكري (المتوفَّى نحو 395 هجرية) بدعوى خدشه الحياء، كما حُذفت أبياتٌ كثيرةٌ من دواوين تراثية تحت دعاوى أنها لم توافق “الذوق العام”.

وللأسف قد ظهرت مختصراتٌ وطبعاتٌ “مهذبة” لـ”كتاب الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني، من أشهرها “مُهذّب الأغاني” لمحمد الخضري، وفيه حُذفت الأسانيد، وحُذف أيضًا ما رآه الخضري “فُحشًا ومُخلًا بالأدب”، مع إعادة ترتيب المادة، وقد صدر المختصر في سبعة أجزاء سنة 1925.

وقد اعترض طه حُسين على هذا النوع من التصرُّف، وكتب منتقدًا حذف مواد من “الأغاني”، مؤكدًا أن من أراد إصلاح الكتاب فليضع كتابًا مستقلًّا، لا أن يغيِّر كتاب أبي الفرج ويحذفَ منه. ومن أقوى حجج طه حسين أن الفاحش الذي قد لا يعجب المحقق يظل جزءًا من المادة التي اختار المؤلف أن يرويها.

ولعل المثال الأشهر في مصر هو كتاب “ألف ليلة وليلة” الذي يمثل نموذجًا قويًّا لظاهرة الحذف و”اللعب” في متن النصِّ؛ فكانت هناك طبعاتٌ عربيةٌ كاملةٌ، ثم ظهرت طبعاتٌ “مهذبة”، ومن أشهرها الطبعة التي أشرف عليها الأب أنطوان صالحاني في بيروت، إذ حُذفت منها مشاهد جنسية وعُدِّلت بعض العبارات والأساليب، ثم جاءت طبعة أحمد رشدي صالح في دار الشعب بالقاهرة سنة 1969، وحُذفت منها أيضًا مفردات ومشاهد رآها القائمون عليها مخالفة للآداب العامة.

أما الواقعة الأكثر دلالة فكانت في سنة 1985 حيثُ جرت محاكمة الناشر المصري محمد علي صبيح بسبب نشر نسخة غير مهذَّبة من “ألف ليلة وليلة”، وصُودرت النسخ على أساس ما تضمنته من أوصافٍ جنسيةٍ وألفاظ اعتُبرت فاضحة.

والآن يحقُّ لنا أن نقول لقد انتقلنا من سؤال ماذا قال صاحبُ الكتاب؟ إلى سؤالٍ آخر أخطر: ما الذي يسمح لنا عصرنا أن نعرفه مما قال؟

وهذا تحول جوهري؛ لأننا بذلك لا نحقِّق التراث، وإنما نُنشئ تراثًا على مقاس الرَّقابة الأخلاقية المعاصرة.

واللافت للنظر أنَّ دار الكتب المصرية – وهي تتبعُ وزارة الثقافة المصرية (أي أنها جهةٌ رسميةٌ) – نفسها أصدرت لاحقًا صُورًا لطبعاتٍ أقدم من “ألف ليلة وليلة” من دون تلك التدخلات، في محاولةٍ لإتاحة النصوص في صورٍ أقرب إلى أصولها المطبوعة القديمة.

وهناك مثالٌ آخر وهو كتاب “رسالة الغفران” لأبي العلاء المعرِّي، وهو مثال مهم للغاية لأنه يكشف مشكلة مختلفة، وهي الحذف بدافع التبسيط وليس فقط بدافع الحياء.

وكان كامل كيلاني قد نشر “رسالة الغفران” في عشرينيات القرن العشرين في صورة “موجز وشارح”، وليس بوصفها تحقيقًا للنص، وقد اتهمت عائشة عبد الرحمن “بنت الشاطئ” هذا التحقيق ببتر أجزاء من الرسالة، وإدخال نصوص أخرى للمعري، إلى جانب إعادة صياغة الألفاظ الكلاسيكية إلى لغة أقرب إلى العصر الحديث.

وأذكر هنا مثالًا أكثر تخصُّصًا وهو كتاب “التطفيل وحكايات الطفيليين” للخطيب البغدادي، حيثُ نُبِّه إلى أن حسام الدين القدسي، حين نشر كتاب “التطفيل وحكايات الطفيليين”، حذف أجزاء من النص، ثم أشار بسام عبد الوهاب الجابي، محقق الكتاب لاحقًا، إلى هذا الحذف، ورجَّح أنه كان بسبب ما رأى الناشر أنه يتنافى مع الدين أو الأدب.

وهنا تظهر مشكلة أخطر من حذف الفُحش وهي حين يصبح المحقق حَكَمًا على المؤلف، فيُبقي ما يوافق تصوره ويحذف ما يخالفه، وبذلك يمكن أن تتحول عملية التحقيق إلى رقابة مذهبية أو أخلاقية أو أيديولوجية.

ولكي نكون أمناء فعلينا أن نشيرَ إلى أنَّ بعض العلماء القدماء كانوا يختصرون أو يمتنعون عن رواية بعض الأشعار لأسبابٍ دينية أو أخلاقية، ويضربُ طه حسين مثالًا بابن هشام الذي ترك بعض الشعر الفاحش في السيرة، وبالمبرد وغيرهما. لكنه يفرق بين أن يؤلف العالِم كتابًا من اختياره وبين أن يأتي شخص بعد قرون فيأخذ كتاب مؤلف آخر ثم يحذف منه ما لا يعجبه.

وكون القدماء أنفسهم حذفوا أحيانًا لا يعطي المحقق الحديث الحق في الحذف من نصوصهم؛ لأننا نحقق ما وصل إلينا منهم، لا ما كان ينبغي أن يصل إلينا في نظرنا.

أعود إلى “ألف ليلة وليلة” نفسها فهي لم تكن نسخة واحدة، إذ إنَّ تاريخها النصِّي شديد التعقيد؛ فالنسخ والمخطوطات والطبعات لا تتطابق، وهناك حكايات موجودة في بعض النسخ وغير موجودة في أخرى، وإن بعض أشهر القصص المرتبطة في الوعي العالمي بالكتاب، مثل “علي بابا والأربعين لصًّا” و”علاء الدين والمصباح السحري”، لها تاريخ نصي معقد، ولم تكن موجودة في بعض الطبعات العربية المبكرة المتداولة.

عمومًا أنا لا أدافعُ عن مضمون النص، وإنما أدافع عن حقنا في معرفة النص.

ليس مطلوبًا مني أن أوافق ابن حزم أو أبا الفرج الأصفهاني أو أبا العلاء المعري في كل ما رووه، وإنما المطلوب ألا أزوِّر ما رووه بحذف ما لا يعجبني. أستطيع أن أضع مقدمةً نقدية، وأن أشرح وأحذر، وأعلّق، وأضع النص في سياقه التاريخي؛ لكن لا يحق لي أن أمسح منه ما أريد ثم أقدمه للقارئ على أنه كتاب المؤلف.

فالتحقيق أمانة، والشرح تفسير، والاختصار تأليف جديد، والتهذيب اختيار أخلاقي؛ فلا ينبغي أن نخلط بينها.