بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تقرير اقتصادي

ثروة تتضخم وفقر يترسخ.. “أوكسفام” ترسم خريطة اللامساواة وتقرع جرس الإنذار

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

في وقت يتباطأ فيه الاقتصاد العالمي تحت وطأة أزمات متراكمة، من التضخم المرتفع إلى الحروب والتوترات الجيوسياسية، يكشف تقرير منظمة “أوكسفام” المعنون “مقاومة حكم الأثرياء.. حماية الحرية من سطوة أصحاب المليارات” صورة شديدة القتامة لمسار توزيع الثروة في العالم. وفي حين تواصل ثروات المليارديرات تضخمها بوتيرة لافتة، يزداد وضع الفئات الفقيرة والهشة سوءاً، في مفارقة حادة تعكس عمق الاختلالات البنيوية في النظام الاقتصادي العالمي.

التقرير، الذي صدر بالتزامن مع انطلاق المنتدى الاقتصادي العالمي في “دافوس”، لم يكتف بسرد أرقام صادمة، بل ربط بين تسارع تراكم الثروة في قمة الهرم الاجتماعي، وتآكل شبكات الأمان الاجتماعي وتراجع القدرة المعيشية لمئات الملايين حول العالم، محذراً من أن استمرار هذا المسار يهدد الاستقرار الاقتصادي والسياسي على حد سواء.

مشهد غير متكافئ

بحسب التقرير، بلغت ثروة مليارديرات العالم 18.3 تريليون دولار في عام 2025، مسجلة زيادة بنسبة 16% على أساس سنوي، وبنسبة 81% منذ عام 2020، في تصاعد غير مسبوق تاريخياً. كما يمتلك أغنى 12 من أصحاب المليارات في العالم ثروة تفوق ما يمتلكه أفقر 4.1 مليار شخص.

في المقابل، تبدو الصورة الاجتماعية العالمية مغايرة تماماً، إذ يكافح واحد من كل أربعة أشخاص لتأمين غذائه بانتظام، بينما يعيش ما يقرب من نصف سكان العالم في حالة فقر، في وقت تستمر فيه الثروات في التركز والتراكم لدى قلة محدودة.

يرى التقرير أن هذا التضخم السريع في الثروات لا يمكن اعتباره نتاجاً طبيعياً لقوى السوق، بل هو انعكاس مباشر لسياسات اقتصادية وضريبية وسياسية موجهة، من بينها تخفيضات ضريبية واسعة للأثرياء وضعف الرقابة على الاحتكار، فضلاً عن الطفرات في أسواق الأسهم، وارتفاع أرباح الشركات الكبرى، لا سيما في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والمال. وهو يمكن وصفه بـ “طفرة ترامب” التي عززت مكاسب كبار الأثرياء ورسخت اختلالات أعمق في توزيع الثروات.

وأظهرت الأزمات المتلاحقة، من جائحة “كوفيد-19” إلى الحرب الروسية -الأوكرانية، أن هذه الصدمات لم تكن بالضرورة أخباراً سيئة للأثرياء، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى فرص لتعزيز الأرباح وتوسيع النفوذ الاقتصادي. وفي هذا السياق، يحذر أميتاب بيهار، المدير التنفيذي لأوكسفام، من أن “الفجوة المتزايدة بين الأغنياء وبقية سكان العالم تتسبب في عجز سياسي خطر للغاية وغير محتمل”. في إشارة إلى ما تحمله هذه الاختلالات من تداعيات تتجاوز الاقتصاد إلى قلب الاستقرار السياسي والاجتماعي.

الفقراء.. الحلقة الأضعف

في المقابل، يرسم التقرير صورة قاتمة لوضع الفقراء والطبقات الوسطى الدنيا. فارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وتآكل الأجور الحقيقية، وتراجع الخدمات العامة، كلها عوامل دفعت ملايين الأشخاص إلى حافة الفقر، أو أعادتهم إليه بعد سنوات من التحسن النسبي.

وتحذر “أوكسفام” من أن الفئات الأكثر تضرراً تشمل النساء، والعمال غير النظاميين، وسكان الدول النامية، الذين يفتقرون أصلاً إلى شبكات حماية اجتماعية قوية. وفي كثير من الدول، لم تعد الأجور تواكب تكاليف المعيشة، ما أدى إلى اتساع فجوة الدخل وتعميق الإحساس بالظلم الاقتصادي.

انقسامات اقتصادية أم سياسية؟

لا يتوقف تقرير “أوكسفام” عند حدود الاقتصاد، بل يحذر من أن اتساع فجوة اللامساواة بات يشكل وقوداً للاضطرابات السياسية والاجتماعية. فالشعور المتزايد بأن النظام الاقتصادي يخدم قلة على حساب الأغلبية يغذي موجات الغضب الشعبي، ويقوّض الثقة بالمؤسسات، ويفتح الباب أمام الشعبوية والتطرف السياسي.

من هنا، لا يمكن فصل العديد من الاحتجاجات التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة، من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية، عن الضغوط المعيشية وتراجع العدالة الاجتماعية. ومع استمرار هذا المسار، تتزايد مخاطر عدم الاستقرار، ليس في الدول النامية فقط، بل أيضاً في الاقتصادات المتقدمة.

تضع “أوكسفام” جزءاً كبيراً من المسؤولية على عاتق السياسات الضريبية العالمية، التي تسمح للأثرياء والشركات متعددة الجنسيات بتقليل مساهماتهم الضريبية إلى الحد الأدنى. فغياب الضرائب التصاعدية الفعالة، وانتشار الملاذات الضريبية، يحرم الدول من موارد حيوية كان يمكن توجيهها للتعليم والصحة والحماية الاجتماعية.

وعليه، لم يعد إصلاح النظام الضريبي مسألة تقنية فحسب، بل خياراً سياسياً يعكس أولويات الحكومات. ومن دون إعادة توزيع عادلة للثروة، ستظل الفجوات الاجتماعية في اتساع مستمر. 

ما الذي تقترحه “أوكسفام”؟

في ختام تقريرها، دعت “أوكسفام” إلى حزمة من الإجراءات العاجلة تشمل فرض ضرائب أعلى على الثروات الفائقة والأرباح غير المتوقعة، وتعزيز الإنفاق الاجتماعي، وضمان أجور عادلة، إضافة إلى إصلاح قواعد التجارة والتمويل الدولية بما يخدم التنمية الشاملة.

وتؤكد المنظمة أن هذه الإجراءات ليست مسألة أخلاقية فقط، بل ضرورة اقتصادية لضمان استدامة النمو والاستقرار. فالعالم، بحسب التقرير، يقف عند مفترق طرق، إما المُضي في مسار يعمّق الانقسامات، أو تبنّي سياسات تعيد التوازن وتمنح الأغلبية فرصة عادلة.

لم يعد ملف تضخم ثروات المليارديرات مقابل تزايد هشاشة الفقراء مجرد ظاهرة عابرة، بل مؤشراً خطيراً على خلل عميق في بنية الاقتصاد العالمي. ومع تراكم الأزمات، يصبح تجاهل هذه التحذيرات مقامرة بمستقبل الاستقرار الاجتماعي والسياسي. والرسالة واضحة: من دون تصحيح المسار، قد تتحول “اللامساواة” من أزمة اقتصادية إلى تهديد شامل للنظام العالمي نفسه.