في خضم تراجع الحريات السياسية والتضييق القضائي، برز اعتقال شيماء عيسى كرمز للصراع في تونس بين مطالب الديمقراطية وضغوط السلطة. الشارع محتجّ والاقتصاد متأزم، فيما يواصل النظام تعزيز قبضته تحت ذريعة “أمن الدولة”.
عندما خرجت شيماء إلى شارع الحبيب بورقيبة في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2025، كانت تدرك أن الحكم الصادر بحقها أصبح نافذاً. وعلى الرغم من ذلك، وقفت وسط عشرات المتظاهرين تهتف ضد ما وصفته بـ”الانزلاق نحو الحكم الفردي”. ولم تمضِ دقائق حتى أعلنت إضرابها عن الطعام، قبل أن تقتادها الشرطة بعيداً.
لم يكن اعتقال شيماء حدثاً معزولاً بالنسبة للكثير من التونسيين، بل حلقة في سلسلة متسارعة من التضييق السياسي عبر القضاء، والذي تبرره السلطة بدواعٍ تتعلق بالأمن القومي. وخلال الأسابيع الأخيرة من العام 2025، نفذت السلطات أحكاماً بالسجن لمدد طويلة طالت عشرات المعارضين في القضية المعروفة إعلامياً بـ”التآمر على أمن الدولة”. وهي محاكمات ترى منظمات حقوقية، مثل “هيومن رايتس ووتش”، أنها تفتقر لضمانات العدالة، وتعكس تحولاً جذرياً في علاقة الدولة بالسلطة القضائية.
أحكام بالسجن.. واعتقالات متتالية
في 28 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أيّدت محكمة الاستئناف أحكاماً بالسجن تراوحت بين 5 و45 عاماً بحق 34 متهماً، شملت سياسيين بارزين ومحامين، بالإضافة إلى رجال أعمال. وعقب ذلك بأيام، بدأت السلطات تنفيذ الأحكام؛ فاعتُقلت شيماء يوم 29 نوفمبر/تشرين الثاني لتنفيذ حكم بالسجن لمدة 20 عاماً، تلاها اعتقال المحامي الحقوقي العياشي الهمامي من منزله في الثاني من ديسمبر/كانون الأول لقضاء حكم بالسجن لخمس سنوات. وبعد يومين، أوقفت الشرطة أحمد نجيب الشابي، أحد أبرز وجوه المعارضة، لتنفيذ حكم بالسجن لمدة 12 عاماً، وفقاً لما أكدته “رويترز”.
كان الهمامي قد استبق اعتقاله بتسجيل مصور وصف فيه الحكم بأنه “قرار سياسي”، مؤكداً عزمه الدفاع عن قناعاته “من داخل السجن إن لزم الأمر”.
قوانين غامضة وقضاء مُعاد التشكيل
تستند هذه القضايا إلى فصول قانونية تجرّم “المساس بأمن الدولة”، وهي صيغة يرى خبراء اللجنة الدولية للحقوقيين أنها تفتقر للدقة وتُستخدم لتقييد المعارضة السلمية. وفي السياق نفسه، اعتبرت منظمة العفو الدولية أن هذه الأحكام تمثل “مؤشراً خطيراً على تراجع سيادة القانون”، مشيرة إلى غياب استقلالية القضاء.
يربط المراقبون هذا المسار بالإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد منذ العام 2022، حين حلّ المجلس الأعلى للقضاء واستبدله بهيئة مؤقتة مُعيّنة، وهي خطوة اعتبرتها لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا تعارضاً مع مبدأ الفصل بين السلطات، بينما رأت فيها منظمات حقوقية تقويضاً لحيادية المحاكم.
الشارع والاقتصاد.. أزمتان متوازيان
على الرغم من حملة الاعتقالات، لا تزال الاحتجاجات الأسبوعية مستمرة وسط العاصمة، حيث يرفع المتظاهرون صور المعتقلين. لكن التقارير الدولية، ومنها تقرير “فريدوم هاوس” لعام 2025، تشير إلى تراجع الحريات، حيث صُنفت تونس كدولة “غير حرة جزئياً” بعدما كانت الديمقراطية الناشئة الوحيدة الناجية من “الربيع العربي”.
يتزامن هذا الانسداد السياسي مع أزمة اقتصادية خانقة، تتسم بارتفاع التضخم والبطالة وتعثر المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. ويرى محللون في “مجموعة الأزمات الدولية” أن خطاب “الخطر الداخلي” يُستخدم حالياً لتبرير القبضة الأمنية في مواجهة الضغوط المعيشية المتزايدة.
نهاية الاستثناء.. وتحوّلات المشهد السياسي
يجمع مراقبون دوليون، استناداً لدراسات من مراكز مثل مؤسستي “كارنيغي” و” بروكينغز”، على أن تونس لم تعد تمثّل “الاستثناء” الذي كانت عليه قبل عقد من الزمن، بل باتت تسير في مسار مشابه لدول المنطقة حيث تُستخدم المؤسسات لإعادة هندسة المجال السياسي.
وفي شارع بورقيبة، مهد الثورة التي أطاحت بنظام بن علي، يسود شعور بين المتظاهرين بأن تلك اللحظة التاريخية باتت أبعد من أي وقت مضى.
تعكس أحداث تونس الأخيرة تحوّلاً حاداً في المسار الديمقراطي، حيث يختلط القمع السياسي بالضغوط الاقتصادية، ويبدو الشارع مستمراً في المطالبة بالحرية والعدالة، في حين يواصل النظام تعزيز سلطته، ما يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الدولة والمشهد السياسي برمّته.















