القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

مقالات مشابهة

ذكرى

توفيق زيّاد: شاعر الحياة والكلمة والموقف.. بين الزنزانة والمظاهرة والقصيدة والمعركة

القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

“أناديكم.. أشدُّ على أياديكم
وأبوسُ الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم
فمأساتي التي أحيا.. نصيبي من مآسيكم”

بهذه الكلمات وغيرها يبقى اسم الشاعر الفلسطيني الكبير توفيق زياد حياً في الذاكرة العربية، وبما يضاهيها من أحداث ومواقف، وبغيرها من قصائد وكلمات لم تعرف طريقها إلى براح الأغنية، ولم تسعفها موسيقى مارسيل خليفة أو أحمد قعبور أو الشيخ إمام أو غيرهم من كبار الموسيقيين الذين غنوا للثورات العربية والمقاومة حول العالم، لكنها عرفت الطريق إلى قلوب الملايين في العالم العربي.

في بقاع الأرض كافة، لم يكن توفيق زياد مجرد شاعر ينظم الكلمات للتعبير عما يجيش به صدره، ويعتمل في عقله، ويشعل حواسه، بل سياسي وقائد ذو موقف وقضية وبصيرة، وقبل كل هذا إنساناً يحمل في صدره قلباً ينتفض بمحبة لا تنفد لأبناء الوطن.

صلابة مبكرة

ولد توفيق أمين زياد في السابع من يوليو/تموز 1929 في مدينة الناصرة شمال فلسطين لأسرة متواضعة تعمل في فلاحة الأرض، وكان هو الأخ الأكبر لسبعة أشقاء وشقيقات، حمل عند ولادته اسمين، صبحي وتوفيق، فكانت كنية أبيه الذي رحل مبكراً “أبو صبحي”. وبعد رحيل والده وهو صغير، عملت والدته في إعداد الخبز وبيعه، ولأنه نشأ وعاش سنوات طفولته وصباه في حي شعبي بسيط، عُرف بين أصدقائه بحدّة اللسان، يُعبر عن نفسه بوضوحٍ وصراحةٍ.. مشاكسٌ وعنيف وعنيد، لا يدَّخر تعليقاً على كل ما يصل إلى أذنيه من كلمات، كما قيل إنه كان صاحب مزاجٍ مرحٍ، ونكتةٍ حاضرة، وربما كان ذلك هو السبب في إتقانه المبكر لفنون الخطابة التي برع فيها فمهدت طريقه إلى دنيا السياسة، خصوصاً مع حبه الشديد للقراءة، العادة التي رافقته طوال حياته إلى جانب ميله للموسيقى والرسم.

لم يكن قد تجاوز الثانية عشرة من عمره عندما أخضعه جنود الاحتلال للاستجواب بحثاً عن بندقية والده المعتقل، فلم يعثروا لديه على إجابة، ولم يتمكنوا من الاستدلال منه على مخبئها.. وكان في التاسعة عشرة حين حدثت نكبة 1948، فاحتفظت ذاكرته بتفاصيل مآسيها كاملة، وتركت آثارها في تكوينه النفسي والفكري والأيدلوجي، خصوصاً عندما فوجئ بنفسه وقد أصبح غريباً في وطنه، ضمن أقلية يطلقون عليها “عرب 48″، فكان اختياره البقاء والمقاومة أياً كانت صفة الحاكم واسمه أو جنسيته، وهو ما سجله في واحدة من أجمل قصائده، وهي قصيدة “هنا باقون” التي يقول فيها: “كأننا عشرون مستحيل، في اللد والرملة والجليل، هنا.. على صدوركم باقون كالجدار، وفي حلوقكم كقطعةِ الزجاجِ كالصبار، وفي عيونكم.. زوبعة من نار”.. ثم كان في الخامسة والعشرين من عمره عندما فاز بعضوية المجلس البلدي لمدينة الناصرة في أول انتخابات له العام 1954، وبعدها فاز بعضوية “الكنيست” لستة دورات انتخابية بداية من العام 1973 عن قائمتي “راكاح” ثم “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة”، وانتخب في العام 1975 رئيساً لمجلس بلدية الناصرة، ليصبح أول عربي يتولى هذا المنصب لثلاث فترات متتالية استمرت لما يقرب من العشرين عاماً.

بين السياسة والأدب

في المدرسة كان تلميذاً ذكياً ومميزاً في فنون الكتابة، حصل على الثانوية في العام 1946، وانتقل بعدها إلى الشام لدراسة التمريض بسبب تداخل الظروف السياسية والاقتصادية، ووقوفها كحائل بينه وبين دراسة الطب، حلمه الأول، بعدها سافر إلى “الاتحاد السوفييتي سابقاً” لدراسة الفلسفة والاقتصاد السياسي بمنحة دراسية من الحزب الشيوعي الذي انتمى إليه مبكراً. وهناك أتقن اللغة الروسية بجانب الإنجليزية والعبرية اللتين كان يتحدثهما بالفعل بجوار العربية، لغته الأم. وهناك تعرف أيضاً على كتابات الأدباء الماركسيين والعالميين، ما ساعد على صقل موهبته الشعرية، والتي تضافرت مع تجربة حياتية شديدة الثراء، وهو الذي تنقل طوال سنوات صباه بين مهن شاقة وصعبة، من البناء للدهان للتجارة ونقل البضائع من وإلى بلاد الشام، وعاش شبابه مطارداً ما بين مضايقات وملاحقات أمنية وصولاً إلى الاعتقال في سجون الاحتلال والوضع تحت الإقامة الجبرية، وحتى محاولة اغتياله في مايو/أيار 1977، قبيل انتخابات “الكنيست”، وهي المحاولة التي نجا منها بأعجوبة، ولم تكشف الشرطة عن فاعليها حتى وقتنا هذا، بينما قيل إنه عرفهم، واجتمع بهم، وأخبروه بتفاصيل الخطة وكيفية تنفيذها.

تزوج في السابعة والثلاثين من عمره من نائلة يوسف صباغ في العام 1966، ومما يذكر أن الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني قال في إحدى دراساته إن الحكومة الإسرائيلية مارست ضغوطاً على شركة أهلية لطرد زياد من بين منتسبيها بسبب شعره ومواقفه السياسية، وهو الذي نشط في العمل النقابي في إطار مؤتمر العمال العرب خلال الخمسينيات، وعلى الرغم من ذلك حافظ على تماسكه وتمسّكه بالدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وتحولت حياته إلى قصيدة طويلة تقول بين ما تقول كلماتها: “أنا ما هنت في وطني، ولا صغرت أكتافي.. وقفتُ بوجه ظُلّامي، يتيماً، عارياً، حافي.. حملتُ دمي على كفي، وما نَكَّستُ أعلامي.. وصنت العشب فوق قبور أسلافي”.

أربع مراحل شعرية

بدأت موهبة زياد الشعرية منذ صغره، وكانت محاولاته الأولى على النمط القديم، وذكرت زوجته أنه “كان ينقر على الطاولة بيده، وفي بعض الأحيان بالقلم، ليستدرج الوزن”، وقال النقاد إن تجربته توزعت على أربع مراحل، تبدأ بـ”مرحلة الخمسينيات” التي أطلقوا عليها “مرحلة القصيدة السياسية”، وهي المرحلة التي كان المحتوى هو أساسها ومستهدفها، لا الشكل الفني، ولم ينشر منها غير عدد قليل من القصائد، كانت أولاها “حصاد الجماجم” التي نشرها بمجلة “الجديد” بعد مجزرة “كفر قاسم” في العام 1957، بعدها جاءت مرحلة “قصيدة المقاومة”، والتي استمرت خلال النصف الثاني من الستينيات وأوائل السبعينيات، وتميزت بالتبدل النوعي والكمي، والتحول من الكتابة الخطابية إلى التصوير الفني، ثم “مرحلة السبعينيات”، والتي وصفها النقاد بـ”مرحلة التراث الشعبي”، حيث اغتنت قصائده وتعبيراته بالموروث الفلسطيني الشعبي من أمثال وأغنيات ومقولات وصور، وأخيراً “مرحلة التسعينيات”، وهي المرحلة التي كتب فيها عدداً من قصائده المعروفة، والتي ضمتها مجموعة “أنا من هذه المدينة” التي صدرت في يناير/كانون الثاني 1994، قبل رحيله في حادث مأساوي بأشهر معدودة، وبعد توقفه عن كتابة الشعر لمدة خمس عشرة سنة، وهي المجموعة التي قدمت لها زوجته.

صدر ديوانه الشعري الأول “أشدّ على أياديكم” عن مطبعة الاتحاد في حيفا في العام 1966، والثاني “ادفنوا موتاكم وانهضوا” عن “دار العودة” في بيروت العام 1969، لتتوالى إصدارته الشعرية والأدبية حتى وصلت إلى أكثر من 15 مجموعة شعرية، غير الترجمات والدراسات النقدية حول الفلكلور الشعبي الفلسطيني، ومنها “عن الأدب الشعبي” و”نصراوي في الساحة الحمراء”، و”صور من الأدب الشعبي الفلسطيني”، و”حال الدنيا.. حكايات فولكلورية”.

اتفق النقاد على أن شعره اتسم بالبساطة والوضوح والقرب من لغة الناس، أدخل العديد من المصطلحات العامية في شعره، ولم يُكلّف نفسه عناء الدخول في متاهات الحداثة، فقال عنه الناقد جمال كيتاني: “قصائده جاءت لتعطي شحنة من الأمل، هي في الأصل قصائد تحريضيّة موجهة للوجدان الفلسطيني لكي لا ييأس”. فيما قال الشاعر سميح القاسم عن عودته إلى التراث الشعبي الفلسطيني: “زياد رائدنا في هذا الميدان، يعمل على إحياء هذا التراث الشعبي الثمين، نظم الملاحم والقصص من البطولات الشعبية، وعمل على إعادة صياغة الأشعار الشعبية التي كادت تتلاشى، نحن امتداد توفيق زياد في هذا المجال”. بدوره، قال مصلح كناعنة: “قضى زياد حياته متنقلاً بين الزنزانة والمظاهرة والمسيرة والقصيدة والمعركة، متجذراً في أرض الكفاح، ومُحلقاً في فضاء اللغة على أجنحة الكلمات والصرخات في آن واحد”.