أعادت حملة ألمانية جديدة لمناهضة ما تصفه بـ”العنصرية المعادية للمسلمين” فتح النقاش حول طبيعة الدعم الحكومي الموجّه لمنظمات المجتمع المدني، بعدما تبيّن أن المبادرة تُموَّل من الخزانة الاتحادية بمئات آلاف اليوروهات، في وقت لا تزال فيه الجهة المنظمة تواجه تداعيات الجدل الذي أثير سابقاً بشأن ارتباط بعض شركائها السابقين بتيارات “الإسلام السياسي”.
أطلقت مؤسسة CLAIM gGmbH الألمانية غير الربحية، حملة وطنية تحت شعار “المسلمون: جزء منك!”، تمتد بين 17 يونيو/حزيران والأول من يوليو/تموز، ضمن أسابيع العمل الوطنية لمناهضة العنصرية ضد المسلمين. وتهدف الحملة إلى إبراز المسلمين بوصفهم جزءاً من المجتمع الألماني، من خلال تسليط الضوء على إسهاماتهم في مجالات الطب والتعليم والرياضة والثقافة والأعمال، إلى جانب تنظيم فعاليات توعوية ومحاضرات وعروض ثقافية في المدارس والجامعات والأندية الرياضية والمؤسسات الثقافية.
وتصف المؤسسة الحملة بأنها محاولة لـ”إظهار الحياة الإسلامية في ألمانيا ومكافحة التمييز”، إلا أن التمويل الحكومي الكبير الذي تحظى به أثار تساؤلات بشأن أولويات الإنفاق العام، خصوصاً مع عدم إعلان الحكومة حجم الأموال التي خُصصت للحملة الحالية بشكل منفصل.
تمويل يتجاوز مليون يورو
ووفق بيانات وزارة التعليم والأسرة وكبار السن والمرأة والشباب الألمانية، حصلت مؤسسة CLAIM gGmbH على تمويل اتحادي يقارب 625 ألف يورو للعام 2026، بعد حصولها على تمويل بالقيمة نفسها تقريباً في العام 2025، وذلك ضمن برنامج “العيش من أجل الديمقراطية”، الذي يهدف إلى دعم المبادرات المعنية بتعزيز المشاركة الديمقراطية، ومكافحة العنصرية والتطرف، وترسيخ التماسك المجتمعي.
وتوضح الوزارة أن هذه الأموال مخصصة لتطوير بنية تحتية وطنية لمواجهة العنصرية، وليس للحملة الإعلامية وحدها، لكنها لم تكشف عن قيمة الإنفاق المباشر على المبادرة الحالية عندما طُلب منها ذلك.
لا يقتصر الدعم الحكومي على هذا البرنامج، إذ أظهرت وثائق البرلمان الألماني حصول CLAIM على تمويلات إضافية من وزارة الداخلية، إلى جانب دعم من المفوض الاتحادي للهجرة والاندماج ومكافحة العنصرية، ما رفع إجمالي التمويل الحكومي المرتبط بالمؤسسة إلى أكثر من1.22 مليون يورو خلال العام 2025 وحده.
شبكة توسعت ثم واجهت التدقيق
تأسست CLAIM في العام 2017، لكنها عملت بين العامين 2020 و2024 تحت المظلة القانونية لجمعية Teilseiend الإسلامية، التي تولت إدارة المنح الحكومية نيابة عنها، قبل أن تتحول المؤسسة إلى كيان قانوني مستقل مطلع العام 2025.
خلال تلك الفترة، قادت CLAIM تحالفاً ضم أكثر من خمسين منظمة مسلمة وغير مسلمة، بهدف رصد وتوثيق مظاهر التمييز ضد المسلمين، إلا أن هذا التحالف تعرض لانتقادات متكررة بعد ظهور تقارير تربط بعض أعضائه السابقين ببيئات محسوبة على “الإسلام السياسي”.
ومن أبرز هذه المنظمات، جمعية Inssan، التي ورد اسمها في تقارير استخبارات برلين بين العامين 2007 و2009 باعتبارها قريبة من شبكات مرتبطة بجماعة “الإخوان المسلمين”، كما أشارت تقارير لاحقة إلى صلات بين أفراد من الجمعية والمركز الإسلامي الثقافي والتعليمي، الذي وصفته سلطات برلين سابقاً بأنه نقطة تجمع لمؤيدين لحركة “حماس”.
وعلى الرغم من نفي Inssan هذه الاتهامات، أكدت CLAIM في العام 2023 أن الجمعية لم تعد عضواً في التحالف، كما نفت وجود أي صلات تنظيمية لها بجماعة “الإخوان المسلمين” أو حركة “حماس”.
حل التحالف واستمرار التمويل
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلنت CLAIM حلّ التحالف بالكامل، معترفة بأن الجدل المحيط ببعض أعضائه أصبح يشكل تهديداً لاستمرار أهليتها للحصول على التمويل الحكومي.
لكن المؤسسة أوضحت في الوقت نفسه أن بنيتها المهنية وأنشطة الرصد والتوثيق انتقلت إلى الكيان الجديد، الذي واصل نشاطه بصورة مستقلة، مع احتفاظه تقريباً بمستوى التمويل الحكومي نفسه خلال العام 2026.
جدل يتجاوز الحملة
يعكس استمرار الدعم الحكومي للمؤسسة، على الرغم من إعادة هيكلتها وحلّ التحالف السابق، الجدل الدائر في ألمانيا حول الحدود الفاصلة بين مكافحة التمييز الديني، ودعم منظمات سبق أن أحاطت بها شبهات تتعلق بقرب بعض شركائها من تيارات “الإسلام السياسي”.
وبينما تؤكد الحكومة أن التمويل يخضع لآليات رقابة قانونية ويستهدف مشاريع مناهضة العنصرية وتعزيز التماسك المجتمعي، يرى منتقدون أن استمرار ضخ الأموال العامة يتطلب مزيداً من الشفافية، خصوصاً في ما يتعلق بآليات اختيار الجهات المستفيدة، وكيفية إنفاق التمويل، وضمان عدم استفادة شبكات أو شخصيات ارتبطت سابقاً ببيئات متشددة، حتى وإن لم تعد جزءاً من المؤسسة بصورة رسمية.















