بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

تمرّد داخلي في “غوغل”: وسط اتهامات بالتواطؤ.. ألف موظف يطالبون بقطع العلاقة مع سلطات الهجرة الأمريكية

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

في تطور يعكس تصاعد التوتر داخل قطاع التكنولوجيا الأمريكي بشأن علاقة الشركات الكبرى بالأجهزة الحكومية، وقّع نحو 1000 موظف في “غوغل” رسالة مفتوحة تُدين الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها وكالتا “إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك” (ICE) و”الجمارك وحماية الحدود” (CBP) الأمريكيتين، وتدعو الإدارة إلى قطع علاقاتها معهما.

يأتي ذلك في سياق اتهامات متزايدة باستخدام التكنولوجيا في عمليات مراقبة وترحيل قسرية، تمثل واحدة من أبرز موجات الاعتراض على سياسات الهجرة الفيدرالية خلال السنوات الأخيرة.

يضع هذا التحرك “غوغل” في قلب نقاش أخلاقي متصاعد حول دور شركات التكنولوجيا في دعم سياسات حكومية مثيرة للجدل، خاصة تلك المتعلقة بالهجرة والأمن الداخلي، في وقت تتزايد فيه الضغوط على قادة القطاع لاتخاذ مواقف علنية تجاه هذه السياسات.

التكنولوجيا والهجرة في قلب الجدل

الرسالة، التي حملت عنوان “مطالب غوغل: سلامة العاملين وشفافية عقود ICE”، جاءت على خلفية أحداث وصفها الموظفون المعنيون بأنها “عنيفة وصادمة”، وأشارت إلى حوادث مرتبطة بعمليات إنفاذ قوانين الهجرة. واعتبر الموظفون أن استمرار تعاون الشركة التقني مع الجهات الحكومية المعنية يضعها، والعاملين فيها، في موقع الشراكة غير المباشرة في تلك العمليات.

تعد (ICE) و(CBP) من أبرز الهيئات الأمريكية المسؤولة عن ضبط الحدود وتنفيذ قوانين الهجرة، وقد تعرضتا خلال السنوات الماضية لانتقادات واسعة من منظمات حقوقية بسبب أساليب الاحتجاز والترحيل والمراقبة. ومع تزايد اعتماد هذه الهيئات على التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي، باتت شركات التكنولوجيا لاعباً محورياً في هذا المشهد.

اتهامات مباشرة ومطالب محددة

في نص الرسالة، عبّر الموظفون عن صدمتهم واستنكارهم لما وصفوه بالعنف المرتبط بعمليات إنفاذ قوانين الهجرة، وجاء فيها: “نحن العاملون في غوغل نشعر بالصدمة إزاء ما نراه عنفاً تمارسه وكالتا إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية، والجمارك وحماية الحدود. في مدن عدة، شاهدنا عمليات مداهمة بطابع شبه عسكري، واحتجاز مئات المدنيين، إضافة إلى حوادث قتل طالت محتجين ومراقبين قانونيين”.

واستند المُوقّعون إلى عدة نقاط رئيسية، أبرزها:

  • دعم خدمات “غوغل كلاود” لبرامج مراقبة تستخدمها هيئة الجمارك وحماية الحدود.
  • مساهمة البنية التقنية لـ”غوغل” في تشغيل نظام “ImmigrationOS” التابع لشركة “بالانتير”، والذي تعتمد عليه (ICE) في إدارة بيانات الهجرة.
  • استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في عمليات مرتبطة بالمراقبة والتحليل.
  • اتهامات بتقييد متجر “غوغل بلاي” أكثر تطبيقات تتبع (ICE) فعاليةً في الحفاظ على سلامة المجتمع، وهو ما اعتبره الموظفون جزءاً من سياق أوسع للتحكم في تدفق المعلومات.

واعتبرت الرسالة أن هذه العلاقات تتجاوز كونها تعاملات تجارية، لتتحول إلى مسألة أخلاقية تتعلق بمسؤولية الشركة الاجتماعية.

دعوة إلى الشفافية والمساءلة

الرسالة لم تقتصر على الإدانة، بل تضمنت مطالب تنظيمية وإدارية واضحة، من بينها:

  1. الإفصاح الكامل عن جميع العقود والتعاون التقني مع (ICE) و(CBP) ووزارة الأمن الداخلي.
  2. الانسحاب التدريجي من أي شراكات تمكّن عمليات مراقبة أو ترحيل قسري.
  3. عقد جلسة طارئة لشرح طبيعة عقود الشركة مع الجهات العسكرية والأمنية.
  4. تطبيق إجراءات لحماية الموظفين، مثل سياسات عمل مرنة عن بُعد، ودعم قانوني وإجرائي للعاملين المتأثرين بسياسات الهجرة.
  5. وضع إطار أخلاقي واضح يحدد الخطوط الحمراء لتعاون الشركة مع الحكومات.

ووصف الموظفون أنفسهم بأنهم “عمال ذوو ضمير حي”، مطالبين الإدارة بوقف ما اعتبروه انزلاقاً نحو الاستفادة من سياسات حكومية عنيفة بحق المدنيين.

ضغط أخلاقي من الداخل

في خطوة لافتة، استشهدت الرسالة بتصريح سابق لكبير علماء “غوغل”، جيف دين، دعا فيه إلى عدم الصمت تجاه الأحداث المثيرة للجدل. استخدم الموظفون هذا التصريح لتعزيز حجتهم بأن الالتزام الأخلاقي يجب أن يترجم إلى سياسات عملية داخل الشركة. هذه الإشارة تعكس استراتيجية ضغط داخلية تقوم على محاسبة القيادة باستخدام خطابها المعلن حول المسؤولية الاجتماعية.

حتى وقت إعداد التقرير، لم تصدر “غوغل” رداً رسمياً مفصلاً على الرسالة، ما يضع الإدارة في موقف حساس بين الحفاظ على علاقاتها الحكومية، والاستجابة لمطالب الموظفين المتنامية، وحماية سمعتها العامة. هذا الصمت قد يُفسَّر كإجراء احترازي في ظل التعقيد القانوني والتجاري للعقود الحكومية، لكنه يترك الباب مفتوحاً أمام تصعيد داخلي محتمل.

تمرد أخلاقي في قطاع التكنولوجيا

تحرك موظفي “غوغل” ليس معزولاً. قبل أسابيع فقط، وجّه موظفون من شركات كبرى، من بينها “أمازون” و”ميتا” و”سبوتيفاي”، رسالة مماثلة تطالب بإبعاد (ICE) عن المدن الأمريكية. وذلك ضمن موجة أوسع من النشاط العمالي داخل شركات التكنولوجيا، حيث أصبح الموظفون أكثر استعداداً لتحدي قرارات الإدارة المرتبطة بالسياسات الحكومية أو العسكرية.

هذه التحركات تعكس تحولاً ثقافياً داخل القطاع، حيث لم يعد العاملون ينظرون إلى أنفسهم كمطورين تقنيين فقط، بل كفاعلين أخلاقيين في منظومة اجتماعية وسياسية أوسع.

التكنولوجيا كأداة سلطة: جدل متجدد

أعادت القضية فتح نقاش قديم متجدد حول دور التكنولوجيا في تعزيز سلطة الدولة. فمع توسع قدرات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، باتت الحدود بين الابتكار التقني وأدوات المراقبة أكثر ضبابية.

المدافعون عن التعاون الحكومي يرون أن هذه التقنيات ضرورية للأمن الوطني وتنظيم الهجرة، فيما يحذر المنتقدون من مخاطر التوسع في المراقبة، والتمييز الخوارزمي، بالإضافة إلى انتهاك الخصوصية، واستخدام التكنولوجيا في سياسات قمعية. وغالباً ما تجد الشركات نفسها في قلب هذا الصراع بين الأمن والحقوق المدنية.

صراع القيم في عصر التكنولوجيا

ما يحدث داخل “غوغل” يمثل لحظة مفصلية في العلاقة بين شركات التكنولوجيا والدول. فلم يعد السؤال يقتصر على ما تستطيع التقنيات الحديثة فعله، بل ما يجب أن تفعله. والرسالة المفتوحة ليست مجرد احتجاج وظيفي، بل جزء من نقاش عالمي حول أخلاقيات الابتكار، وحدود التعاون مع السلطة، ودور الشركات في حماية الحقوق المدنية.

وفي ظل تسارع التطورات التقنية، يبدو أن هذا النوع من المواجهات سيصبح أكثر تكراراً، وربما أكثر تأثيراً، في رسم مستقبل العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع.