بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حقوق وحريات

تماثيل القديسين في ماساتشوستس.. حين يصبح حياد الدولة قيداً على تفضيل الدين

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لا تعترض مدينة كوينسي في ولاية ماساتشوستس على حرية مواطنيها في تكريم القديس ميخائيل أو القديس فلوريان. فالخلاف الذي وصل إلى أعلى محكمة في الولاية يدور حول سؤال مغاير: هل تستطيع الحكومة نفسها أن تختار رمزين دينيين محددين، وتمولهما بأموال عامة، وتضعهما بصورة دائمة على واجهة مبنى حكومي؟

في 20 أغسطس/آب، أيدت المحكمة القضائية العليا في ماساتشوستس بالإجماع أمراً قضائياً أولياً يمنع مدينة كوينسي من تركيب تمثالين برونزيين بارتفاع عشرة أقدام للقديس ميخائيل رئيس الملائكة والقديس فلوريان على مبنى الأمن العام الجديد في المدينة.

الحكم لا يحسم القضية نهائياً. لكنه أبقى التمثالين في المخازن، ووافق على أن لدى مجموعة من سكان كوينسي أساساً قوياً، في هذه المرحلة من التقاضي، للقول إن المشروع قد يخالف المادة الثالثة من إعلان حقوق ماساتشوستس التي تمنع الدولة من إخضاع طائفة دينية لأخرى أو تفضيل إحداها.

رمزان دينيان أم تكريم لرجال الأمن؟

تقول المدينة إن القضية ليست محاولة لنشر الكاثوليكية. فالقديس ميخائيل يرتبط منذ زمن برجال الشرطة، بينما يعد القديس فلوريان رمزاً معروفاً لدى رجال الإطفاء. واستندت كوينسي إلى استخدام رموز فلوريان في مؤسسات الإطفاء، وإلى انتشار صور ميخائيل وأسمائه في ثقافة أجهزة إنفاذ القانون، معتبرة أن الغرض من التمثالين هو تكريم الشجاعة والخدمة والتضحية التي يقدمها المستجيبون الأوائل.

واعترفت المحكمة نفسها بأن هذا المعنى المدني ليس مختلقاً. فالسجل القضائي يتضمن أدلة على أهمية الرمزين لدى الشرطة والإطفاء.

لكن المشكلة، بحسب المحكمة، تكمن في السياق الذي اختارته الحكومة لعرضهما. التمثالان ليسا جزءاً من مجموعة فنية واسعة تتضمن شخصيات دينية وغير دينية، ولا أثرين تاريخيين اكتسبا بمرور الوقت معنى مدنياً مستقلاً. إنهما تمثالان جديدان لشخصيتين مقدستين في التقليد الكاثوليكي، سيكونان الزخرفة الوحيدة البارزة على واجهة مبنى حكومي مخصص للشرطة والإطفاء وخدمات الطوارئ.

ويصور أحدهما ميخائيل بأجنحة ملاك وهو يطأ شيطاناً، بينما يظهر فلوريان في هيئة جندي روماني يطفئ حريقاً. ولذلك رأت المحكمة أن المعنى المهني للرمزين لا يمحو تلقائياً دلالتهما الدينية.

صاحب الرمز هو الدولة

هنا تتحول القضية من نقاش حول الفن إلى نقاش حول السلطة. فلو أقامت كنيسة التمثالين، أو ارتدى شرطي رمزاً للقديس ميخائيل بصفته الشخصية ضمن الحدود القانونية، فإن القضية ستكون مرتبطة بحرية الممارسة الدينية.

لكن مبنى كوينسي ملك للحكومة، والتمويل عام، واختيار العمل الفني اتخذته السلطة المحلية. وقد أنفقت المدينة بالفعل نحو 761 ألف دولار على تصميم التمثالين وتصنيعهما، من تكلفة متوقعة تبلغ نحو 850 ألف دولار.

ومن هنا يأتي الاختبار الدستوري: عندما تتكلم الدولة، هل يظهر ما تختاره باعتباره تكريماً مهنياً محايداً، أم رسالة تمنح تقليداً دينياً حضوراً خاصاً لا يحصل عليه الآخرون؟ هذا هو الفارق بين حماية التعبير الديني واستخدام سلطة الحكومة في التعبير الديني.

دستور الولاية يرسم خطة

تزداد أهمية القضية لأنها لا تعتمد فقط على تفسير الدستور الاتحادي الأميركي. فالمادة الثالثة من إعلان حقوق ماساتشوستس تنص على حماية الطوائف الدينية بالتساوي، وتحظر إخضاع طائفة لأخرى. وفي القضية الحالية طلبت كوينسي من المحكمة إعادة النظر في المنهج الذي استخدمته محاكم الولاية تاريخياً لتطبيق هذه المادة، خصوصاً بعد أن تخلت المحكمة العليا الأميركية على المستوى الاتحادي عن اختبار قانوني قديم ارتبط بقضية “ليمون ضد كورتزمان”.

هذه النقطة تمنح النزاع قيمة تتجاوز تمثالين في مدينة قرب بوسطن. فالولايات الأميركية تستطيع، ضمن النظام الفيدرالي، أن تمنح بعض الحقوق حماية أوسع بموجب دساتيرها المحلية. وهنا يصبح الخلاف أيضاً اختباراً لقدرة الولاية على رسم معيارها الخاص للعلاقة بين الحكومة والدين في وقت يتغير فيه الاتجاه القضائي اتحادياً.

حياد أم عداء للدين؟

معارضو المنع يقدمون اعتراضاً لا يمكن تجاهله: إذا كانت الرموز الدينية حاضرة تاريخياً في الفضاء المدني الأميركي، فهل يؤدي التشدد في منعها إلى تحويل “الحياد” نفسه إلى نوع من العداء للدين؟

الجهات الداعمة لكوينسي ترى أن ميخائيل وفلوريان تجاوزا معناهما الكنسي في ثقافة الشرطة والإطفاء، وأن منع المدينة من استخدامهما لمجرد أن لهما أيضاً مدلولاً دينياً يعامل الدين باعتباره عنصراً يجب إبعاده عن الفضاء العام.

لكن المحكمة صاغت النزاع بصورة مختلفة. المسألة، في نظرها، ليست ما إذا كان يجب إقصاء الدين، وإنما ما إذا كانت الحكومة تعامل ديناً معيناً معاملة تفضيلية.

هو تمييز أساسي؛ لأن العلمانية الأميركية في أصلها ليست مطالبة بأن يصبح المجال العام خالياً من المتدينين أو الرموز ذات التاريخ الديني، بل بأن تبقى الدولة نفسها على مسافة لا تجعل مواطناً يرى المؤسسة العامة امتداداً لعقيدة لا يؤمن بها.

القضية لم تنتهِ

ستعود الدعوى الآن إلى مسارها في المحكمة الأدنى، حيث تستطيع المدينة تطوير سجل أدلة أكثر اكتمالاً حول الأغراض المدنية للمشروع، ويستطيع المدعون محاولة إثبات أن اختيار التمثالين وتقديمهما للجمهور يمثلان تفضيلاً دينياً غير دستوري.

ولذلك لا يصح القول إن أعلى محكمة في ماساتشوستس “حظرت تماثيل القديسين” بصورة نهائية. ما قررته هو أن منع تركيبها يجب أن يستمر أثناء التقاضي، وأن تقدير المحكمة الأدنى بشأن احتمال نجاح الاعتراض الدستوري لم يكن خطأً يبرر إلغاء الأمر الأولي. لكن القضية كشفت بالفعل أحد أكثر التوازنات حساسية في الديمقراطية الدستورية.

فحرية الدين لا تُختبر فقط عندما تحاول الحكومة منع شخص من ممارسة معتقده. أحياناً يكون الاختبار في الاتجاه المعاكس: هل تستطيع الدولة أن تمنع نفسها من استخدام سلطتها ومالها ومبانيها بطريقة تجعل عقيدة معينة أقرب إلى الحكومة من غيرها؟

في كوينسي، لا يزال الجواب القضائي النهائي مفتوحاً. أما السؤال الدستوري فقد أصبح واضحاً: الحياد لا يعني غياب الدين عن المجتمع؛ بل تحديد اللحظة التي يصبح فيها حضور الدين اختياراً للدولة نفسها.