بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

قراءة تحليلية

تفكيك خلية المغرب.. قراءة في التهديد الجديد لـ”داعش الساحل” ومساعي تحويل المنطقة إلى ساحة فوضى

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

شهد المغرب خلال الأيام الماضية واحدة من أكثر العمليات الأمنية حساسية منذ سنوات، بعدما أعلن المكتب المركزي للأبحاث القضائية تفكيك خلية إرهابية من عشرة أشخاص موزعين على سبع مدن، وفي مراحل متقدمة من الإعداد لتنفيذ هجمات بالغة الخطورة. لم تكن أهمية العملية في عدد الموقوفين أو في نوعية المضبوطات فحسب، بل فيما كشفته التحقيقات من وجود صلة عملياتية مباشرة بين الخلية وفرع تنظيم “داعش” في منطقة الساحل الإفريقي، بما في ذلك التوجيه اللوجستي والدعم الخارجي.

يمثل هذا التطور تحولاً لافتاً في طبيعة التهديدات التي تواجهها المملكة. فبعد سنوات من نجاح المقاربة الأمنية المغربية في الحد من نشاط التنظيمات المتطرفة داخل البلاد، يبدو أن التنظيمات العابرة للحدود قد أعادت صياغة استراتيجيتها، مستفيدة من التحولات الأمنية العميقة التي يشهدها الساحل الإفريقي، ومن اتساع المساحات الخارجة عن سيطرة الدول، لتفتح جبهة جديدة تعتمد على الربط الرقمي بين القيادات الخارجية والخلايا المحلية.

لم يعد استهداف المغرب مجرّد خيار تكتيكي بالنسبة لتنظيم “داعش – ولاية الساحل”، بل أصبح جزءاً من محاولة أوسع لإثبات الحضور الإقليمي، وكسر صورة الاستقرار التي نجحت المملكة في ترسيخها طوال العقدين الماضيين.

جغرافيا التهديد الجديدة

تكشف خريطة الاعتقالات، التي شملت الدار البيضاء وأكادير وتطوان وتارودانت والحاجب والفقيه بن صالح وآسفي، عن نمط مختلف في بناء الخلايا الإرهابية. فبدلاً من تمركز العناصر في مدينة واحدة، استهدفت الخطة توزيعهم جغرافياً بما يصعب من عملية اكتشافهم أو ربطهم ببعضهم عبر وسائل الرصد الأمني التقليدية.

يعكس هذا الأسلوب تحولاً واضحاً في تكتيكات التنظيمات المتشددة، التي أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على الاتصالات المشفرة وإدارة العناصر عن بُعد، بحيث لا يكون التواصل المباشر ضرورياً إلا في المراحل الأخيرة التي تسبق التنفيذ.

ويشير هذا النمط أيضاً إلى انتقال جزء من الخبرات التي اكتسبتها التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا إلى بيئة الساحل الإفريقي، حيث أصبحت القيادة الميدانية أقل مركزية، فيما تتولى المنصات الرقمية إدارة التواصل، وتوزيع المهام، ونقل التعليمات، بما يقلل فرص الاختراق الأمني.

ولم يكن اختيار المدن عشوائياً، إذ يجمع بين المراكز الاقتصادية والسياحية والمدن الداخلية، في مسعى لإحداث تأثير واسع يمتد إلى الاقتصاد والسياحة والحياة اليومية، وإرسال رسالة إعلامية تتجاوز حدود العملية نفسها.

تكتيكات تتغير باستمرار

أظهرت التحقيقات أن الخلية اعتمدت على وسائل تصنيع بدائية نسبياً، لكنها مصممة لتجاوز القيود الأمنية المفروضة على تداول المواد المتفجرة. ومن أبرز ما أعلنته السلطات ضبط سيارة رباعية الدفع خضعت لتعديلات تقنية داخل ورشة سرية، إضافة إلى تجهيز أسطوانات غاز وأواني ضغط ومواد معدنية وأسلاك كهربائية، بما يشير إلى محاولة تصنيع عبوات ناسفة باستخدام مواد متاحة في الأسواق المحلية.

هذا النمط ليس جديداً على التنظيمات الإرهابية، لكنه يعكس قدرة هذه الجماعات على التكيّف مع البيئات الأمنية المشددة. فكلما ازدادت الرقابة على المتفجرات العسكرية، اتجهت التنظيمات نحو ما يعرف بالمواد مزدوجة الاستخدام، وهي مواد مدنية يمكن توظيفها في تصنيع وسائل هجومية بقدرات تدميرية متفاوتة.

كما توحي المضبوطات بأن التنظيم حاول تقليل الاعتماد على شبكات تهريب السلاح التقليدية، مقابل زيادة الاعتماد على المعرفة التقنية التي يجري تداولها عبر المنصات الرقمية المغلقة، وهو تطور يفرض تحديات إضافية على أجهزة الأمن، لأن أدوات التنفيذ أصبحت أسهل إخفاءً وأقل ارتباطاً بقنوات التمويل التقليدية.

الساحل مركز التحول

لا يمكن قراءة هذه القضية بمعزل عن التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل الإفريقي خلال الأعوام الأخيرة. فمع الانقلابات العسكرية المتعاقبة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وتراجع الحضور العسكري الغربي، توسعت المساحات التي تنشط فيها التنظيمات المرتبطة بتنظيمي “داعش” و”القاعدة”. واستغلت هذه الجماعات هشاشة المؤسسات الأمنية لتطوير قدراتها العسكرية واللوجستية، وتحويل بعض المناطق إلى قواعد انطلاق نحو دول الجوار.

ويمثل المغرب هدفاً استراتيجياً للجماعات المتطرفة نظراً لموقعه الجغرافي الحيوي بين أوروبا وإفريقيا، وثقله الإقليمي في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب. ويشكل الاستقرار الداخلي للمملكة ضربة قوية للسردية الدعائية لهذه التنظيمات التي تحاول تصوير المنطقة كبؤرة للفوضى والنزاع. من هنا، تسعى هذه الجماعات لاستغلال أي ثغرة أمنية، وإن صغرت، لتوظيفها في عمليات التجنيد ورفع المعنويات بعد الضربات المتتالية التي  تلقتها في مناطق أخرى.

في المقابل، يمثل التعاون المغربي مع عدد من دول الساحل، في مجالات التدريب الأمني والتكوين الديني وتبادل المعلومات، أحد العوامل التي تجعل المملكة هدفاً دائماً للدعاية المتشددة.

تحديات المرحلة المقبلة

تعكس تركيبة الموقوفين، التي ضمت قاصراً وشخصاً سبق أن أُدين في قضايا إرهاب، استمرار قدرة التنظيمات المتشددة على استهداف شرائح مختلفة عبر الفضاء الرقمي. فالتجنيد الإلكتروني لم يعد يقتصر على نشر المواد الدعائية، بل تطور إلى بناء شبكات تواصل مغلقة، تعتمد على التشفير، وتستثمر في المحتوى القصير والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل لاستقطاب عناصر جديدة، خصوصاً من الفئات الأصغر سناً.

كما أن محاولة إعادة استقطاب أشخاص سبق إدانتهم في قضايا إرهابية تشير إلى أن التنظيمات لا تزال تعتبر هذه الفئة مخزوناً بشرياً يمكن إعادة توظيفه، مستفيدة من خبراتهم السابقة أو من استمرار ارتباط بعضهم بالأفكار المتشددة.

وعلى الرغم من أن العملية الأخيرة تؤكد مرة أخرى فعالية المقاربة الأمنية المغربية في كشف المخططات قبل انتقالها إلى مرحلة التنفيذ، فإنها تكشف أيضاً أن طبيعة التهديد تشهد تحولاً مستمراً. فمركز الثقل لم يعد يقتصر على الداخل، بل أصبح يرتبط بصورة وثيقة بالبيئة الأمنية المضطربة في الساحل، وبقدرة التنظيمات على توظيف الفضاء الرقمي لبناء شبكات عابرة للحدود.

في ضوء ذلك، تبدو مواجهة هذا التهديد مرهونة باستمرار العمل الاستباقي، وتعزيز التعاون الاستخباري الإقليمي والدولي، ومواكبة التحولات التقنية التي تعتمد عليها التنظيمات المتشددة في التجنيد والتخطيط والاتصال. فاستقرار المغرب لم يعد يرتبط فقط بقدراته الأمنية الداخلية، وإنما أيضاً بفاعلية الجهود الرامية إلى الحدّ من تمدد التنظيمات الإرهابية في الساحل الإفريقي، ومنعها من تحويل المنطقة إلى منصة انطلاق لتهديد أمن شمال إفريقيا والضفة الجنوبية للبحر المتوسط.