بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

تصدّع الحصن التقليدي: لماذا عجزت الصوفية عن كبح “تسونامي” السلفية الجهادية في غرب إفريقيا؟

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

لوقتٍ طويل، نُظر إلى منطقة غرب إفريقيا والساحل بوصفهما نموذجاً لـ “الإسلام الوسطي المتسامح”، والحضور التاريخي للطرق الصوفية الكبرى، لا سيما التيجانية والقادرية، ودورهما في تشكيل نسيج اجتماعي وروحي عابر للقبائل وحدود الدولة. بدت الزوايا بمثابة “صمّام أمان” ضد الغُلو، وحصناً ثقافياً صلباً.

اليوم، يفرض المشهد في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وشمال نيجيريا سؤالاً مُلحّاً: كيف تهاوى هذا الحصن سريعاً أمام تمدّد الحركات السلفية الجهادية (مثل بوكو حرام، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وتنظيم الدولة في الصحراء الكبرى)؟ ولماذا أخفقت الهياكل الصوفية العريقة في “حماية” مجتمعاتها من الانجراف نحو الراديكالية؟

هذه الورقة التحليلية تجادل بأن تراجع الدور الصوفي لم يكن نتيجة لقوة السلاح الجهادي فحسب، بل هو محصلة لتراكمات تاريخية، وأزمات بنيوية داخل الطرق الصوفية ذاتها، أفقدتها مناعتها وقدرتها على المقاومة في لحظة التحول العاصفة.

تاريخياً، لم يترسخ الإسلام في غرب إفريقيا عبر الجيوش، بل من خلال قوافل التجار والدعاة الصوفيين. وتحولت الزوايا إلى مراكز إشعاع حضاري، وأصبح شيوخ الطرق (المرابطون) يمتلكون سلطة روحية وأخلاقية تفوق أحياناً سلطة الملوك والسلاطين. وفّرت الطرق الصوفية شبكات أمان اجتماعي، وهوية عابرة للقبائل، ونظاماً تراتبياً ضمن الاستقرار لقرون. هذا الإرث هو ما جعل الصدمة الحالية مدوية.

لماذا خسرت الصوفية

إن عجز الطرق الصوفية عن مواجهة المد المتطرف يعود إلى تفاعل معقد بين أربعة عوامل رئيسية، تراوحت بين الأيديولوجي، السياسي، والاجتماعي:

  1. المعركة العقدية: جاذبية “النقاء” السلفي في مواجهة “البدعة” الصوفية

يمثل الصعود السلفي تحدياً أيديولوجياً وجودياً للتصوف. وتنطلق الجماعات الجهادية من عقيدة “سلفية وهابية” تعتبر الممارسات الصوفية الأساسية، مثل التوسل بالأولياء، وزيارة الأضرحة، والاحتفال بالمولد النبوي، أنواعاً من “الشرك” أو “البدع” التي يجب اجتثاثها.

وفي مواجهة الطقوس الصوفية المعقدة والتراتبية الهرمية للوصول إلى المعرفة، قدّمت السلفية المعاصرة للشباب خطاباً دينياً يتسم بـ “البساطة الظاهرية” والمباشرة، داعية إلى “إسلام نقي” وعالمي يتجاوز المحلية الإفريقية، وهو ما شكل عامل جذب قوي لجيل يبحث عن هوية قطعية في عالم مضطرب.

  1. “قبلة الموت”: تحالف الشيخ والسلطان وفقدان الشرعية

لعل أخطر ما واجهته الصوفية في العصر الحديث هو تآكل رأسمالها الرمزي بسبب السياسة. في مرحلة ما بعد الاستقلال، دخلت الزعامات الصوفية التقليدية في تحالفات “زبونية” مع الأنظمة الحاكمة، سواء كانت علمانية أو سلطوية فاسدة.

قايض الشيوخ الولاء السياسي لأتباعهم مقابل امتيازات مادية ونفوذ لدى الدولة. وحين فشلت هذه الدول في توفير الخدمات الأساسية وتورطّت في الفساد والقمع، سقطت الشرعية عن حلفائها من رجال الدين. واستغلت الجماعات الجهادية هذا الفراغ ببراعة، مقدمة نفسها كبديل “طاهر” يحارب فساد الأنظمة، و”عملائها” من شيوخ الطرق الذين أصبح يُنظر إليهم كجزء من المشكلة لا الحل.

  1. ثورة الأبناء: أزمة “حكم الشيوخ” والتمكين البديل

تعيش منطقة الساحل انفجاراً ديموغرافياً شاباً، فيما ظلت هياكل الطرق الصوفية تعتمد على نظام تراتبي صارم يركز السلطة والثروة والمعرفة في يد كبار السن (Gerontocracy). فشعر الشباب بالتهميش داخل هذه البنى التي تطلب الطاعة العمياء دون أفق للترقّي.

في المقابل، كسرت الجماعات الجهادية هذا الاحتكار، وقدمت للشباب المهمش اقتصادياً واجتماعياً نموذجاً لـ “التمكين الفوري”. الشاب الذي لا يملك مستقبلاً في قريته، يمكنه عبر الانضمام للجماعة أن يحصل على السلاح، المال، وسلطة فورية، متجاوزاً عقوداً من الانتظار في التراتبية الصوفية التقليدية.

  1. آليات الإحلال: من اختراق التعليم إلى التصفية الجسدية. 

لم يكن التراجع فكرياً فقط، بل كان ممنهجاً عبر أدوات محددة:

– تعليمٌ موازي وعنفٌ مُمنهج: منذ السبعينيات، وبدعم خارجي (خليجي بشكل أساسي)، انتشرت المدارس والمعاهد السلفية التي قدمت تعليماً مجانياً ومنحاً دراسية، في وقت كانت فيه الكتاتيب الصوفية التقليدية تعاني من شح الموارد. لتُخرّج هذه المدارس جيلاً جديداً من الدعاة المناهضين للتصوف، مسلحين بجدل فقهي حديث.

– إرهاب الرموز: استخدمت الجماعات الجهادية العنف الممنهج لكسر الروابط الاجتماعية. عبر اغتيال شيوخ الطرق المؤثرين في القرى والأرياف، أو تدمير الأضرحة التاريخية (كما حدث في تمبكتو 2012)، تمكنت هذه الجماعات من تفكيك النظام الاجتماعي القائم القائم على رمزية هؤلاء الشيوخ، ما سهل عليها ملء الفراغ الأمني والروحي.

استثناءات لافتة  

من الضروري عدم التعميم المطلق. فبينما شهد الساحل الأوسط (مالي، النيجر، بوركينا فاسو) انهياراً سريعاً للحواجز الصوفية بسبب هشاشة الدول، لا تزال دول مثل السنغال تقدم نموذجاً مختلفاً نسبياً. هناك، تتمتع الطرق الصوفية (كالمريدية والتيجانية) بتنظيم مؤسسي متين وقوة اقتصادية مستقلة عن الدولة، ما يجعلها حتى الآن جدار صدّ فعال، رغم التحديات، أمام التمدد السلفي العنيف.

انزياح في ميزان القوى الديني

لم تتراجع الصوفية لأن رسالتها الروحية فقدت سحرها فحسب، بل لأنها تحوّلت تدريجياً من حركات تجديدٍ اجتماعي إلى مؤسساتٍ محافظة متحالفة مع سلطاتٍ فاشلة في نظر جمهورٍ واسع. وهكذا، واجهت موجةً راديكالية توفّق بين جاذبية أيديولوجية “نقيّة” واستغلال ذكيّ للمظالم السياسية والاقتصادية العميقة، فكان انزياح تاريخي في ميزان القوى الديني غرب القارة.