بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تقرير اقتصادي

تريليونات على المحك.. هل تقترب فقاعة الذكاء الاصطناعي من الانفجار؟

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

منذ اندلاع “حُمّى الذكاء الاصطناعي” في عام 2023، تتعالى التحذيرات من فقاعة مضاربة ضخمة، تُذكّرنا بأواخر التسعينيات، أو ما يُعرف بـ فقاعة “الدوت كوم”، حين وصلت شركات الإنترنت إلى قمم تاريخية قبل أن تنهار في دوامة من الخسائر والإفلاس.

اليوم، تتشابه الصورة إلى حد كبير.. تدفقات رأسمالية هائلة تتجاوز التريليونات، إنفاق ملياري، بل تريليوني، إنفاق متسارع على مراكز البيانات وشراء الرقائق، ونماذج أعمال لا تزال غير مؤكدة، في سباق يطمح فيه “عمالقة التقنية” والشركات الناشئة إلى السيطرة على اقتصاد المستقبل، الذي تنتقل فيه معظم الأنشطة الاقتصادية من البشر إلى الآلات، أو تفادي التهميش فيه.

لكن ماذا لو لم يأتِ هذا المستقبل بالسرعة، أو بالربحية التي يتصورها وادي السيليكون؟ 

علامات التحذير للذكاء الاصطناعي

لم يكتف سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ “أوبن إيه آي”، بالإعلان عن مشروع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي Stargate “ستارجيت”، المخصّص لبناء بنية تحتية حوسبية متقدمة بقيمة 500 مليار دولار (استثمارات أولية بنحو 100 مليار)، بل أشار أيضاً إلى أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي قد يبلغ تريليونات الدولارات خلال العقد المقبل. فيما يضخ مارك زوكربيرغ، رئيس مجلس إدارة شركة “ميتا”، مئات المليارات في بنية تحتية مماثلة، منها مجمّع الحوسبة Hyperion في لويزيانا، بتكلفة مبدئية تقارب 10 مليارات دولار وتمويلات إضافية قد تصل إلى 30 مليار دولار، ضمن خطة توصف بأنها “بحجم مانهاتن” من حيث البنية.

هذا التسارع المُفرط يثير قلق الأسواق؛ فبينما يتحدث المتفائلون عن ثورة تعيد تشكيل قطاعات الاقتصاد وتسرّع الابتكار الطبي والإنتاجية، يشير محللون إلى أن المال يُنفَق بصورة أسرع من قدرة التكنولوجيا على تحقيق قيمة تجارية حقيقية. وحتى بعض  التنفيذيين في وادي السيليكون – رغم إيمانهم بالتحوّل القادم – يُبدون شكوكاً في سرعة الوصول إلى الربحية، لكنهم يخشون خفض الإنفاق خوفاً من التخلف عن السباق إذا قلّصوا استثماراتهم.

تتعقد الصورة أكثر مع بروز طرق تمويل غير تقليدية. لكن السوق شهدت اضطرابات حادّة: في 27 يناير 2025، ومع إطلاق شركة DeepSeek الصينية نموذجاً منافساً منخفض التكلفة، تراجع سهم “إنفيديا” بنسبة نحو 17% في يوم واحد، وتبخّر أكثر من تريليون دولار من القيمة السوقية لشركات التقنية عالمياً.

يرى محلّلون أن هذه التطورات قد تشير إلى حلقة مغلقة من الإنفاق؛ فالشركات التي تبيع الرقائق والمكوّنات تدعم بدورها مطوّري النماذج لضمان استمرار الطلب على منتجاتها مرتفعة الثمن، ما يرفع الأصول أحياناً بطريقة مصطنعة.

في موازاة ذلك، تلجأ شركات كبرى، مثل “ميتا”، إلى الاقتراض بمبالغ ضخمة لتمويل توسعات هائلة، بما فيها مشروع مراكز بيانات في لويزيانا يقترب حجمه من مساحة مانهاتن. كما يجري تمويل مشاريع لبناء مراكز بيانات من شركات ناشئة، بعضها خرج للتو من عالم تعدين العملات الرقمية، وتدخل اليوم في قلب صناعة الذكاء الاصطناعي دون خبرة كافية.

ماذا عن العائدات؟

وفقاً لتقرير شركة “باين آند كومباني” Bain & Company للاستشارات الإدارية، ستحتاج شركات الذكاء الاصطناعي، بحلول عام 2030، إلى 2 تريليون دولار من الإيرادات السنوية المجمّعة لتغطية تكاليف الحوسبة المتوقعة، في حين تقدر الإيرادات الفعلية المحتملة بأقل من ذلك بنحو 800 مليار دولار.

يُحذر ديفيد أينهورن مدير صندوق التحوط الأمريكي ومؤسس شركة “جرينلايت كابيتال”، قائلاً: “الأرقام المتداولة حالياً مبالغ فيها لدرجة يصعب فهمها. أنا متأكد من أنها ليست صفراً، ولكن هناك احتمال معقول أن تحدث خسائر فادحة في رأس المال خلال هذه الدورة”.

ثم تأتي الشكوك حول الفعالية التقنية نفسها. فقد كشف بحث لمعهد “ماساتشوستس للتكنولوجيا”، أن 95% من هذه الشركات لم تحقق أي عائد ملموس من مشاريع الذكاء الاصطناعي. ووجد باحثون من جامعتي “هارفارد” و”ستانفورد”، أن الموظفين يستخدمون النماذج لإنتاج ما وصفوه بـ”العمل الركيك”، محتوى يبدو جيداً لكنه يفتقر إلى الجوهر اللازم لإنجاز المهمة المطلوبة بشكل فعال، ما يؤدي إلى خسائر إنتاجية بملايين الدولارات سنوياً. وعلى الجانب الآخر، تتباطأ عوائد تطوير نماذج أضخم.

المنافسة الصينية

رغم اعترافه المتكرر بخطر الفقاعة، يؤكد سام ألتمان أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام (AGI) لا يزال ينقصه “شيء مهم للغاية”. وقال: “هل نحن في مرحلة يشعر فيها المستثمرون بشكل عام بحماس مفرط تجاه الذكاء الاصطناعي؟ في رأيي، نعم”. وأضاف: “هل الذكاء الاصطناعي هو أهم حدث يشهده العالم منذ فترة طويلة؟ رأيي أيضاً هو نعم”.

وجاءت المنافسة الصينية لتفاقم من حدة المشهد. إذ غمرت شركات صينية ناشئة مثل DeepSeek وiFlytek السوق بنماذج ذكاء اصطناعي تنافسية خفّضت الكلفة بنحو الثلث، ما هدد قدرة الشركات الأمريكية على استرداد استثماراتها الضخمة. بل إن هذا الإطلاق أدى إلى موجة بيع محمومة شطبت، في يناير/كانون الثاني 2025 وحده، تريليون دولار من أسهم التكنولوجيا عالمياً.اشتراكات فضفاضة؟

يعترف ألتمان وزوكربيرغ باحتمال وجود فقاعة، لكنهما يعتبران أن الخطر الأكبر هو “عدم الإنفاق بما يكفي” لاقتناص الفرصة التاريخية. ويُعوّل المطورون على أن الشركات والأفراد سيدفعون مبالغ أكبر مقابل خدمات الذكاء الاصطناعي كلما أصبحت قادرة على إنجاز مهام أكثر تعقيداً. وهناك حديث عن اشتراكات احترافية قد تصل إلى 2000 دولار شهرياً إذا قدمت النماذج مساعدة “بمستوى دكتوراه”.

ما الذي يشكل فقاعة سوقية؟

تشير الفقاعة السوقية إلى دورة اقتصادية تتضخم فيها الأسعار بسرعة إلى مستويات تفوق قيم الأصول الحقيقية، مدفوعة بتوقعات مُفرطة وسلوك مضاربة واسع بين المستثمرين، قبل أن تنهار فجأة. ورغم وضوح هذه الظاهرة بعد وقوعها، إلا أن اكتشافها خلال تشكّلها يبقى صعباً، لأن الأسواق قد تنفصل عن القيم الحقيقية لاعتبارات عديدة، كما لا ينتهي كل ارتفاع غير مُبرّر بانهيار فوري.

وفقاً للاقتصادي هايمان مينسكي، تمرّ الفقاعة بخمس مراحل: الإزاحة، حيث يجذب ابتكار أو فرصة جديدة المستثمرين؛ الازدهار، مع توسع الشراء وارتفاع الأسعار؛ النشوة، حين يسود الاعتقاد بأن المكاسب لن تتوقف؛ جني الأرباح، من قبل المستثمرين الأذكياء؛ ثم الذعر، عندما تتغير التوقعات فجأة ويتسابق الجميع للبيع.

تنفجر الفقاعة عادة عندما تتبدد الآمال المبالغ فيها، ويظهر أن توقعات الأرباح لا تستند لواقع صلب، فيتحول الحماس إلى خوف، ويتراجع السوق تدريجياً، أو عبر صدمة مفاجئة تغيّر النظرة المستقبلية، ما يدفع المستثمرين إلى الهروب.

هل نعيش سيناريو 1999 مرة أخرى؟

تشبه طفرة الذكاء الاصطناعي اليوم فقاعة شركات الإنترنت أواخر التسعينيات، حين اجتذبت الشركات الناشئة رؤوس أموال ضخمة، رغم غياب نماذج أعمال مستدامة، واعتماد مقاييس واهية مثل عدد الزيارات الموقع الإلكتروني بدل الربحية. آنذاك، توسّعت شركات الاتصالات ببناء شبكات ألياف ضوئية تفوق الطلب الفعلي، وانتهى الأمر بانهيار واسع عام 2001، صُفّي خلاله كثير من الشركات، أو بيعت بأبخس الأسعار.

في المشهد الحالي، تتكرر الصورة عبر التقييمات المبالغ فيها، والتوسع الهائل في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إلى جانب مظاهر الثراء الباذخة. ويتنافس مستثمرو رأس المال المخاطر على إغراء الشركات الناشئة بالشيكات الضخمة ووسائل الرفاهية، بينما تعتمد الكثير منها على مؤشرات نمو متفائلة وغير مضمونة، مثل الإيرادات المتكررة. 

غير أن المقارنة ليست سلبية بالكامل. فكما خرجت شركات عملاقة من بقايا فقاعة الإنترنت السابقة، مثل “أمازون” و”جوجل”، يرى بريت تايلور، رئيس مجلس إدارة “أوبن إيه آي”، أن الذكاء الاصطناعي سيقود تحولات اقتصادية كبرى، وسيخلق قيمة ضخمة بمرور الوقت، رغم احتمال سقوط العديد من الرهانات الحالية. ويتفق معه جيف بيزوس، مؤسس “أمازون”، الذي يعترف بوجود “فقاعة”، لكنه يعتقد أن استثمارات الذكاء الاصطناعي ستعزز إنتاجية الشركات عالمياً، ما يعني أن الخاسرين كُثر، لكن الفائزين سيكونون قادة اقتصاد المستقبل.

رغم هذه التناقضات، يحدث تبنّي الذكاء الاصطناعي بوتيرة تاريخية: ما يقرب من 700 مليون شخص يستخدمون “تشات جي بي تي” أسبوعياً، فيما تتوقع “أوبن إيه آي” إيرادات بنحو 12.7 مليار دولار في عام 2025، في حين وصلت قيمتها السوقية إلى نحو 500 مليار دولار، ما يجعلها واحدة من أكثر الشركات الخاصة!

في حصيلة المشهد، يقف العالم أمام مفارقة مثيرة، كل المؤشرات تقول، إن هناك فقاعة تتضخم، لكن هذه المؤشرات نفسها تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيغيّر العالم قبل أن تنفجر الفقاعة، هذا إن انفجرت أصلاً. فبعض الشركات ستختفي بلا أثر، بينما تنشأ أخرى ستعيد تشكيل الاقتصاد العالمي لعقود مقبلة. 

هكذا كان الإنترنت، وهكذا سيكون الذكاء الاصطناعي. تكنولوجيا تحمل في طياتها ثروة هائلة وخسائر فادحة معاً، والفارق الوحيد يصنعه من يختار اللحظة المناسبة للرهان ومن يجرؤ على الاستمرار دون أن يفقد توازنه على حافة الفقاعة.