بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير جيوسياسي

تركيا تدخل على خط الوساطة بين إيران وأمريكا.. مفاوضات شائكة وسط تعقيدات دولية وإقليمية وتوترات عسكرية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تحوّل الملف الإيراني إلى أحد أكثر الملفات تعقيداً في السياسة الدولية المعاصرة، لتداخل الدبلوماسية مع التداعيات الإقليمية والضغوط الدولية والأبعاد العسكرية، ما يجعل أي توافق صعباً ويضع الأطراف أمام خيارات دقيقة وحساسة. تتركز جهود المفاوضات المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران في إسطنبول على احتواء الأزمة النووية المتفاقمة، في ظل وساطات عربية ودور أوروبي متوازن، مع استمرار الخلافات العميقة حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك احتمال نقل بعض المواد النووية إلى دولة ثالثة، مثل تركيا.

تتجه العلاقات بين إيران والولايات المتحدة نحو جولة جديدة من المفاوضات في مدينة إسطنبول التركية بين ممثلين عن الجانبين بقيادة المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في محاولة لاحتواء التوتر المتصاعد حول البرنامج النووي. وتجري هذه المفاوضات على وقع تعزيزات عسكرية أمريكية في مياه الخليج والشرق الأوسط، ما يعكس تداخل الضغط الدبلوماسي مع الضغط العسكري.

بدت تصريحات المسؤولين الإيرانيين أكثر مرونة حيال بعض جوانب التخصيب النووي، مع استعداد طهران للنظر في تعليق التخصيب أو تصدير جزء من مخزون اليورانيوم المخصب في حال رفع العقوبات الاقتصادية. لكنها أكدت، في المقابل، أن قضايا مثل القدرات الصاروخية والدور الإقليمي غير قابلة للتفاوض، ما يزيد صعوبة التوصل إلى اتفاق شامل.

إشكالية نقل المواد النووية إلى تركيا

من بين أكثر القضايا إثارة للجدل في سياق هذه المفاوضات مسألة نقل المواد النووية الإيرانية إلى دولة ثالثة، ,تحديداً تركيا، وهو اقتراح قيل إنه قد يُطرح ضمن حلول “مرحلية” لتخفيف التوتر. ,وفق تقارير إعلامية، من بين الخيارات المطروحة نقل نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم الإيراني المخصّب بنسبة 60% إلى الأراضي التركية مع تعهد تركي بعدم إعادتها إلى إيران.

غير أن هذا الطرح يثير جدلاً واسعاً، إذ يشير مسؤول أمني إيراني بارز إلى أن طهران لا تنوي نقل موادها النووية إلى دولة أخرى، وأن المفاوضات لا تتناول هذا الخيار. وتعكس هذه التباينات خلافات جوهرية حول إدارة ملف المواد النووية الإيرانية، بين مقترحات دولية لاحتوائه جغرافياً، وإصرار إيراني على الاحتفاظ به تحت السيادة الوطنية والرقابة المحلية.

ما بين الدبلوماسية والتهديد العسكري

على الرغم من المساعي الدبلوماسية، لا يزال الخيار العسكري حاضراً في الحسابات. فالرغبة الأمريكية في وضع حد للبرنامج النووي الإيراني تقابلها استعدادات عسكرية، وسجل من التصريحات المتبادلة بين واشنطن وطهران اتسم بتوترات مرتفعة. وتبرز هذه الدينامية في التصريحات الأمريكية التي تعكس استراتيجية ضغط مزدوجة تجمع بين التهديد العسكري والدعوة إلى التفاوض.

في المقابل، تحذّر طهران من أن أي هجوم خارجي قد يشعل مواجهة أوسع، قد تشمل تحريك حلفائها في مناطق متعددة، ما يرفع مخاطر انزلاق التصعيد خارج الإطار الدبلوماسي، ويحوّل الأزمة من ملف نووي إلى صراع إقليمي مفتوح. 

النقاط الخلافية الجوهرية

تتمحور الخلافات بين واشنطن وطهران حول ثلاثة مسارات رئيسة. يرتبط المسار الأول بالبرنامج النووي الإيراني، حيث تطالب الولايات المتحدة بتجميد تخصيب اليورانيوم أو إنهائه وتقييد أنشطته، فيما تعتبره طهران جزءاً من حقوقها السيادية. أما المسار الثاني فيتعلق بالقدرات الصاروخية الإيرانية، التي تصنّفها طهران خطاً أحمر غير قابل للتفاوض. ويتركز المسار الثالث على الدور الإقليمي الإيراني ودعم الجماعات الموالية له، وهو ما تشترط بعض الدول الغربية والعربية الحد منه قبل التوصل إلى أي اتفاق شامل.

تجعل هذه التناقضات أي مفاوضات شاملة عملية شديدة التعقيد، ما يدفع الأطراف إلى التفكير في حلول مرحلية أو اتفاقات محدودة يمكن البناء عليها، بدل السعي إلى تسوية نهائية واحدة.

احتمالات الصفقات خلف الكواليس

في النزاعات الدولية الحساسة، غالباً ما تُدار مسارات تفاوضية غير معلنة خلف الأبواب المغلقة. وفي الملف الإيراني، تتزايد التكهنات حول احتمال التوصل إلى تفاهمات مرحلية قد تشمل تخفيفًا تدريجياً للعقوبات مقابل خطوات إيرانية محدودة، أو تقديم حوافز اقتصادية لشركات أوروبية في قطاعات غير نووية، في مقابل كسر الجمود الدبلوماسي.

قد تمتد هذه التفاهمات إلى قضايا تبادل أسرى أو ترتيبات أمنية غير معلنة تتعلق بمضيق هرمز أو إدارة الحشود العسكرية في الخليج، شريطة إبقاء هذه المحادثات خارج الإطار الإعلامي إلى حين تهيئة ظروف تنفيذها. 

ما بعد إسطنبول: سيناريوهات محتملة

بعد جولة إسطنبول، يُتوقع أن يتجه المشهد نحو أحد ثلاثة سيناريوهات: نجاح محدود في التوصل إلى تفاهمات أولية قابلة للبناء، أو فشل يقود إلى تصعيد جديد في الضغوط العسكرية والاقتصادية، أو اتفاق مرحلي تدريجي يتضمن خطوات متبادلة لبناء الثقة قبل الانتقال إلى اتفاق أوسع.

لا يزال الاتحاد الأوروبي حاضراً بوصفه طرفاً فاعلاً في الملف النووي الإيراني منذ اتفاق 2015، ولا سيما عبر دول “الترويكا الأوروبية” (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا) التي تؤكد باستمرار أولوية الحل الدبلوماسي. ومع استئناف المحادثات، تستمر هذه الدول في دعوة طهران للحوار والتزام الشفافية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع التلويح بإعادة فرض العقوبات في حال تعثرت المفاوضات.

غير أن الموقف الأوروبي يواجه تعقيدات، من بينها الجدل حول تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، وما أثاره ذلك من ردود فعل إيرانية. ويضع هذا الواقع أوروبا بين الحفاظ على دور الوسيط وإظهار موقف موحّد صارم، في توازن دقيق يختلف عن المقاربة الأمريكية الأكثر تشدداً.

الوساطة الإقليمية وتضرّر الثقة

إلى جانب الجهود الأوروبية، تلعب الوساطة العربية والإقليمية دوراً في محاولة خفض التوتر واشنطن وطهران. وتُظهر اتصالات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع نظرائه في السعودية ومصر وقطر، ضمن مساعٍ لإيجاد إطار تفاوضي، رغبة الدول الإقليمية في تجنّب تصعيد شامل يمكن أن يزعزع أمن المنطقة.

لكن الثقة بين الأطراف الإقليمية وطهران لا تزال محدودة، إذ تتزامن الدعوات إلى الحوار مع مخاوف عربية من استمرار الدعم الإيراني لفصائل مسلحة في المنطقة، ما يدفع بعض الدول إلى التحفظ تجاه أي اتفاق لا يتضمن ضمانات واضحة للحد من النفوذ الإيراني العسكري والسياسي.

رهانات التفاوض وعدم اليقين

يبقى الملف الإيراني من أعقد ملفات السياسة الدولية، لتداخل الضغط الاستراتيجي والأدوار الدولية والإقليمية ومخاطر الانزلاق إلى مواجهة عسكرية. ومع تعدد مبادرات الوساطة، تظل مسألة نقل المواد النووية نقطة حساسة تعكس عمق الخلاف حول سيادة إيران على برنامجها النووي.

بالمحصلة، ستحدد نتائج لقاء إسطنبول مدى قدرة الدبلوماسية على احتواء الأزمة، وما إذا كانت المنطقة مقبلة على مسار تهدئة تدريجية أو على مرحلة أكثر توتراً في الأشهر المقبلة.