بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

هجرة قانونية

ترامب يفتح جبهة جديدة ضد العمالة الأجنبية.. رسوم H-1B تتجاوز 100 ألف دولار للموظفين داخل الولايات المتحدة

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

تستعد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفرض رسم جديد يتجاوز 100 ألف دولار على تأشيرات (H-1B) للأفراد الذين يجري توظيفهم داخل الولايات المتحدة، في تحد جديد أمام القضاء، الذي سبق أن رفض العام الماضي رسوماً مشابهة على الموظفين القادمين من الخارج، ما يعني فرض عبء مالي ضخم على أصحاب العمل.

تقترح وزارة الأمن الداخلي رسماً قدره 103,265 دولاراً على جميع طلبات (H-1B) الخاضعة للسقف السنوي، بما في ذلك طلبات حملة درجات الماجستير، في خطوة تقول الوزارة إنها ستوفر إيرادات تُخصص للمساهمة في تغطية جزء من تكاليف إدارة نظام الهجرة القانونية في البلاد.

ما هي H-1B؟

تُعد (H-1B) من أبرز تأشيرات العمل الأميركية المخصصة للعمالة الأجنبية الماهرة التي غالباً ما تتطلب مؤهلاً جامعياً عالياً أو ما يعادله. وتتقدم الشركات الأميركية بطلبات هذه التأشيرة نيابة عن العاملين، ما يجعلها واحدة من أهم القنوات التي تعتمد عليها الولايات المتحدة لاستقطاب الكفاءات في التكنولوجيا والهندسة والعلوم والتمويل والطب والبحث العلمي.

ويخضع هذا البرنامج لسقف سنوي يبلغ 85 ألف تأشيرة جديدة، منها 65 ألفاً للحصة العامة و20 ألفاً لحملة الدرجات العلمية المتقدمة من جامعات أميركية مؤهلة، مع وجود فئات معفاة من السقف. وعادةً تمتد التأشيرة لثلاث سنوات قابلة للتمديد إلى ست سنوات في حالات معينة.

الرقم المقترح صادم حتى بمعايير الهجرة الأميركية نفسها، فبرنامج (H-1B) يتيح كما ذكرنا للشركات استقدام أجانب في وظائف تتطلب مهارات متخصصة، وبما أنه يخضع لسقف قانوني يبلغ 85 ألف تأشيرة سنوياً، تتوقع وزارة الأمن الداخلي فائضاً بنحو 8.8 مليار دولار سنوياً إذا دُفعت الرسوم عن كل عامل خاضع للسقف.

وهذا الرقم يكشف أن إدارة ترامب لا تنظر إلى الرسم باعتباره أداة ردع فحسب، بل مصدراً ضخماً لتمويل نظام الهجرة. وترى الوزارة أن الأموال ستساعد في تغطية تكاليف طلبات الهجرة، والكشف عن الاحتيال، وإجراءات التدقيق المرتبطة بالأمن القومي، وتحديث الأنظمة الحكومية.

وتقول أيضاً إنها درست بدائل تشمل رفع الرسوم على مجموعة أوسع من طلبات الهجرة، لكنها خلصت إلى أن ذلك سيحمّل الأفراد وأصحاب الطلبات غير المرتبطة بالتوظيف أعباء إضافية. ولذلك اختارت استهداف تأشيرة (H-1B) فقط لكونها قناة مرتبطة مباشرة بسوق العمل وأصحاب الشركات القادرين على تحمل التكلفة.

لكن هذا التبرير يفتح سؤالاً اقتصادياً أكثر تعقيداً: هل يمكن اعتبار رسم يتجاوز 100 ألف دولار مجرد تكلفة إدارية، أم أنه يتحول عملياً إلى أداة لإعادة تشكيل سوق العمالة الأجنبية؟

الهند المتضرر الأكبر

سيكون تأثير أي تغيير كبير في برنامج (H-1B) ملموساً بشكل خاص في الهند، التي يمثل مواطنوها حوالي 71% من المستفيدين من البرنامج في السنة المالية 2024، مقابل نحو 12% للصين، بحسب بيانات خدمات الجنسية والهجرة الأميركية.

وتعني هذه الهيمنة أن أي زيادة ضخمة في تكلفة البرنامج قد تمتد آثارها إلى شركات خدمات التكنولوجيا والاستعانة بمصادر خارجية، إضافة إلى آلاف المهنيين الذين يستخدمون (H-1B) كمسار للانتقال من الدراسة أو العمل المؤقت إلى وظائف متخصصة في الولايات المتحدة.

لكن التأثير لا يتوقف عند العامل الأجنبي. فالشركة هي التي ستتحمل عملياً الرسم المرتبط بالطلب، ما يجعل القرار الاقتصادي أكثر تعقيداً بالنسبة إلى أصحاب العمل: هل يستحق توظيف متخصص أجنبي دفع أكثر من 100 ألف دولار فوق تكاليف الراتب والمزايا والإجراءات الأخرى؟

مسار آخر يهدد الطلاب الأجانب

الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى الجامعات والشركات أن واشنطن تدرس أيضاً فرض رسم قدره 100 ألف دولار على المشاركة في برنامج التدريب العملي الاختياري (Optional Practical Training (OPT، الذي يسمح للطلاب الأجانب الحاصلين على تأشيرات (F-1) بالعمل بعد التخرج. ويمثل ذلك تطوراً بالغ الأهمية، لأن OPT يشكل في كثير من الحالات جسراً بين التعليم الجامعي والعمل المتخصص ثم الانتقال لاحقاً إلى (H-1B). وإذا أضيفت رسوم ضخمة إلى هذه المرحلة أيضاً، فقد ترتفع تكلفة المسار بأكمله من الجامعة إلى سوق العمل الأميركي.

وتشير تقارير حديثة إلى أن اقتراح رسوم OPT كان قد أُحيل إلى مكتب الإدارة والميزانية للمراجعة، ما يعني أن الإدارة الأميركية تبحث في أكثر من نقطة ضمن منظومة استقطاب الطلاب والمهنيين الأجانب.

المعركة القانونية لم تنتهِ بعد

يبقى أكبر سؤال هو ما إذا كان الاقتراح الجديد سينجو من المصير الذي واجهه الرسم السابق. فقد أوقفت محكمة اتحادية في يونيو/حزيران تحصيل رسم الـ100 ألف دولار الذي فرضه ترامب بموجب إعلان رئاسي، بينما تستمر المعارك القانونية بشأن سلطة الإدارة في فرض مثل هذه الرسوم من دون تفويض واضح من الكونغرس.

لكن الاقتراح الجديد يسلك مساراً مختلفاً؛ إذ تحاول وزارة الأمن الداخلي هذه المرة فرض رسم 103265 دولاراً من خلال عملية تنظيمية رسمية، وليس بقرار رئاسي منفرد. وقد يصبح هذا الاختلاف القانوني محوراً رئيسياً لأي طعون مستقبلية، خصوصاً إذا تحولت القاعدة المقترحة إلى إجراء نافذ.

أكثر من مجرد رسم

لا تتوقف أهمية الرسوم المقترحة عند قيمتها المالية. فإدارة ترامب تنظر إلى برنامج (H-1B) كمنصة بسيطة تستخدمها الشركات لتوظيف عمال أجانب بدلاً من الأميركيين، ولذلك فإن رفع تكلفته إلى هذا المستوى قد يغير حسابات أصحاب العمل بشأن توظيف الكفاءات الأجنبية.

في المقابل، ترى شركات التكنولوجيا ومجموعات الأعمال أن التأشيرة توفر للاقتصاد الأميركي مهارات متخصصة غير موجودة كفاية محلياً، وتساعد الشركات على استقطاب المواهب العالمية، خصوصاً في القطاعات الاستراتيجية مثل التكنولوجيا والهندسة والعلوم.

وهنا تبرز المفارقة الأساسية في سياسة الرسوم الجديدة: قد تنجح الحكومة في تحصيل مليارات الدولارات لتمويل منظومة الهجرة، لكنها في الوقت نفسه قد تجعل توظيف المواهب الأجنبية مكلفاً إلى درجة تدفع بعض الشركات إلى نقل الوظائف أو فرق التطوير إلى خارج الولايات المتحدة. وبذلك، قد تتحول الرسوم التي تستهدف تقليص الاعتماد على العمالة الأجنبية إلى عامل يعيد توزيع الوظائف والاستثمارات خارج السوق الأميركية بدلاً من إعادتها بالضرورة إلى العمال الأميركيين.