بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

ترامب يشعل هجوماً عنصرياً على الصوماليين في مينيسوتا ويصعّد المواجهة مع إلهان عمر

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

في غرفة اجتماعات مجلس الوزراء، حيث يُفترض أن تُصاغ السياسات الكبرى برزانة وهدوء، اختار دونالد ترامب في الثاني من ديسمبر الجاري أن يمزق القفازات الدبلوماسية تماماً. لم يكن يتحدث عن أرقام اقتصادية أو استراتيجيات دفاعية، بل كان يصب جام غضبه على مجموعة بشرية محددة بعبارات أعادت للأذهان أحلك فترات التمييز العرقي في التاريخ الأمريكي.

“إنهم قمامة”، قالها الرئيس بصوت مسموع، مشيراً إلى اللاجئين الصوماليين في مينيسوتا. لم تكن زلة لسان، بل إعلان حرب. في تلك اللحظة، تحولت ولاية “العشرة آلاف بحيرة” من ملاذ آمن للمهاجرين إلى ساحة معركة مفتوحة، حيث يواجه الآلاف خطراً مزدوجاً: مطرقة الترحيل القسري، وسندان التشكيك في الشرعية، في صراع يتجسد بوضوح بين رجل في البيت الأبيض وامرأة في الكونغرس تدعى إلهان عمر.

شتاء الغضب في “المدن التوأم”

لطالما كانت مينيسوتا فخورة بكونها موطناً لأكبر جالية صومالية في الغرب، لكن شتاء 2025 جلب معه صقيعاً من نوع آخر. فبعد تصريحات ترامب التي زعم فيها أن الصوماليين “دمروا أمريكا” وارتكبوا عمليات احتيال بمليارات الدولارات، تحركت الآلة الفيدرالية بسرعة مخيفة.

تقارير ميدانية أكدت أن وكالة الهجرة والجمارك (ICE) بدأت بالفعل عمليات مكثفة في مينيابوليس وسانت بول. الخوف بات ملموساً في الشوارع؛ المحلات التجارية في أحياء الصوماليين تغلق أبوابها مبكراً، والآباء يخشون إرسال أطفالهم للمدارس. التهديد لم يعد مجازياً، فالرئيس لوّح بإنهاء وضع الحماية المؤقتة (TPS)، مما يعني إمكانية إعادة الآلاف إلى الصومال، الدولة التي وصفها ترامب بنفسه بأنها “الأسوأ على وجه الأرض”.

اللغز الرقمي: 1981 أم 1982؟

في تطور دراماتيكي أضاف بعداً قانونياً للأزمة السياسية، تحول الهجوم من الخطاب العنصري العام إلى التشكيك الإجرائي الدقيق. كشفت تقارير حديثة لـ “ألفا نيوز” (Alpha News) عن تعديل مفاجئ في السيرة الذاتية الرسمية للنائبة إلهان عمر على الموقع التشريعي لولاية مينيسوتا.

التعديل غيّر سنة ميلادها من 1981 إلى 1982. هذا الفارق البسيط المكون من 12 شهراً يحمل في طياته “قنبلة موقوتة” قانونية. فإذا كانت عمر قد ولدت في 1981، فإنها كانت قد تجاوزت الثامنة عشرة عندما حصل والدها على الجنسية الأمريكية، مما يعني أنها لم تكن مؤهلة للحصول على الجنسية تلقائياً بتبعيته، وكان يجب عليها تقديم طلب مستقل – وهو ما يشكك خصومها في حدوثه. أما إذا ولدت في 1982، فإن وضعها القانوني سليم تماماً كقاصر تتبع والدها. التقاط ترامب لهذا الخيط يعني أن المعركة انتقلت من المنابر إلى أروقة المحاكم ودوائر الهجرة.

الهوس المريب

بالنسبة لإلهان عمر، اللاجئة التي أصبحت صوتاً تقدمياً بارزاً، فإن هجمات ترامب ليست جديدة، لكن حدتها وتوقيتها يشيران إلى ما هو أبعد من السياسة. ترى عمر أن ترامب يستخدم الجالية الصومالية كـ “شماعة” لتعليق إخفاقاته الاقتصادية والسياسية، محاولاً إثارة النعرات العرقية لصرف الانتباه.

ورغم التهديدات الأمنية المتزايدة التي طالتها وطالت عائلتها، اختارت النائبة الديمقراطية المواجهة. في ردها، لم تدافع عن نفسها فحسب، بل عن شرعية وجود جالية كاملة أصبحت جزءاً من النسيج الأمريكي.

ما يحدث في مينيسوتا الآن يتجاوز الخلاف الشخصي بين سياسيين لدودين. إنه يطرح تساؤلات وجودية حول الهوية الأمريكية في عام 2025. عندما يستخدم أعلى مسؤول في الدولة مصطلحات التطهير لوصف مواطنين ومقيمين قانونيين، فإن ذلك يؤسس لسابقة خطيرة.

بين مطرقة إجراءات الـ ICE وسندان الجدل القانوني حول تواريخ الميلاد، يجد الصوماليون الأمريكيون أنفسهم محاصرين في زاوية ضيقة. ومع استمرار ترامب في وصفهم بـ “الخطر الوجودي”، يبدو أن الأيام القادمة ستحمل اختباراً قاسياً لقيم الدستور الأمريكي، ولمدى قدرة المؤسسات على حماية الأقليات من سطوة السلطة التنفيذية الهائجة.