لم يكن إطلاق “مجلس السلام” مجرّد مبادرة دبلوماسية عابرة، بل لحظة كاشفة عن عمق التحوّلات التي يعيشها النظام الدولي. فعندما يقرّر رئيس أمريكي، بحجم دونالد ترامب وخطابه الصدامي مع المؤسسات متعددة الأطراف، إطلاق كيان دولي جديد يتجاوز الأمم المتحدة عملياً، فإن السؤال الجوهري لا يعود متعلقاً بآليات هذا المجلس أو فرص نجاحه، بل بالدلالة السياسية لوجوده أصلاً.
“مجلس السلام” لا يولد في فراغ، بل في عالم أنهكته الحروب المفتوحة، وشُلّت فيه مؤسسات الشرعية الدولية، وبات فيه الفيتو أقوى من القانون، والصفقة أعلى صوتاً من المبادئ.
في هذا السياق، يبدو المجلس أقل ارتباطاً بمفهوم السلام بمضمونه العادل والشامل، وأكثر تعبيراً عن انتقال العالم إلى مرحلة تُدار فيها النزاعات عبر أطر انتقائية تقودها القوى القادرة، لا عبر منظومة دولية جامعة. إنه سلام يُصاغ في غرف النفوذ، لا في قاعات الأمم المتحدة.
من غزة إلى العالم: حالة استثنائية أم نموذج قابل للتعميم؟
انطلقت فكرة “مجلس السلام” من بوابة غزة، تحت عنوان الإشراف على وقف الحرب وإعادة الإعمار، في لحظة عجز فيها مجلس الأمن عن فرض أي مسار ملزم. غير أن التحوّل السريع للمجلس من إطار خاص بحالة نزاع واحدة إلى منصة عالمية لإدارة الأزمات، كشف أن المشروع لا يتعلّق فقط بملف فلسطيني، بل بطموح أوسع لإعادة تعريف من يملك حق التدخل ومن يضع شروط التسوية.
في القراءة العربية، هذا التوسّع لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من الوصاية الدولية على مناطق الصراع، حيث جرى دائماً استخدام الأزمات الإنسانية بوصفها مدخلاً لإعادة تشكيل الواقع السياسي. الجديد هنا ليس الفكرة، بل الصراحة؛ إذ لم يعد هناك ادّعاء بأن الأمم المتحدة هي المرجعية الوحيدة، بل محاولة واضحة لبناء مسار موازٍ، أكثر سرعة وأقل التزاماً بالقواعد.
لماذا ترامب؟ الواقعية السياسية بلا غطاء أخلاقي
يقدّم دونالد ترامب مجلس السلام باعتباره استجابة عملية لفشل النظام الدولي، وهو توصيف يجد صداه حتى لدى خصومه. غير أن الفارق الجوهري يكمن في المنهج. ترامب لا يسعى إلى إصلاح الأمم المتحدة من الداخل، ولا إلى تحديث أدواتها، بل إلى تجاوزها بالكامل عندما تعوق القرار الأمريكي.
هذه المقاربة تعبّر عن واقعية سياسية صريحة ترى أن السلام لا يُنتج عبر التوافقات الواسعة، بل عبر فرض الوقائع. وهو منطق قد يبدو جذاباً لدول أنهكها الانتظار، لكنه في الوقت نفسه يعيد إنتاج معادلة القوة نفسها التي كانت سبباً رئيساً في تفجّر كثير من النزاعات. السلام، وفق هذا المنظور، يصبح إدارة للأزمة لا حلاً لها، وتسوية مؤقتة لا عدالة مستدامة.
العلاقة مع الأمم المتحدة: تنسيق لغوي وتجاوز فعلي
على الرغم من تأكيد واشنطن أن مجلس السلام لا يهدف إلى استبدال الأمم المتحدة، فإن بنيته وآليات عمله تشير إلى العكس. فالمجلس لا يستمد شرعيته من قرارات دولية جامعة، بل من تحالف محدود من الدول المستعدة للدفع السياسي والمالي. هذا النموذج يُضعف، عملياً، دور مجلس الأمن، ويخلق سابقة خطيرة تقوم على شرعية الأمر الواقع.
التحفظات الأوروبية، وخصوصاً الفرنسية، تعبّر عن إدراك مبكر لمخاطر هذا المسار. فوجود مجلس موازٍ يعني تعدد المرجعيات، وتحوّل الشرعية الدولية إلى مفهوم مرن يخضع لتوازنات القوة. بالنسبة لكثير من النخب العربية، فإن هذا التطور يعيد إلى الأذهان تجارب تدخل دولي سابقة، جرى فيها الالتفاف على الأمم المتحدة لتمرير سياسات كبرى تحت عناوين إنسانية.
خريطة الانضمام: عالم منقسم ونظام يتشظّى
تعكس خريطة الدول التي أبدت ترحيباً بمجلس السلام انقساماً دولياً واضحاً. فبينما أبدت دول عربية وآسيوية وأوروبية شرقية استعداداً للانخراط، فضّلت عواصم غربية كبرى التريث أو الرفض. هذا التباين لا يعكس فقط اختلافاً في التقييم، بل يكشف عن تصدّع أعمق في بنية النظام الدولي.
بالنسبة لبعض الدول، يشكّل المجلس فرصة لكسر الجمود الأممي وتعزيز موقعها التفاوضي مع واشنطن. وبالنسبة لأخرى، هو مخاطرة قد تؤدي إلى تهميش القانون الدولي لصالح تحالفات ظرفية. وفي الحالتين، لا يبدو أن هناك إجماعاً عالمياً على طبيعة الدور الذي ينبغي أن يلعبه المجلس، ما يضع مستقبله أمام اختبارات مبكرة.
التمويل والحوكمة: حين يصبح السلام مشروعاً استثمارياً
من أكثر الجوانب إثارة للجدل في “مجلس السلام” ربط النفوذ داخله بالمساهمة المالية. هذا النموذج، الذي يقترب من منطق مجالس إدارة الشركات الكبرى، يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة السلام المنشود. فحين يصبح التمويل شرطاً للتأثير، تتحول إعادة الإعمار إلى أداة نفوذ، وتغدو الأولويات السياسية مرهونة بقدرة الدفع لا بحجم المعاناة.
غياب التزامات واضحة بحقوق الإنسان والمساءلة في ميثاق المجلس يعزز المخاوف من أن يكون الهدف هو تثبيت الاستقرار بأي ثمن، حتى لو جاء ذلك على حساب العدالة. وهو ما يجعل كثيرين يرون في المجلس إطاراً لإدارة الصراعات لا لتفكيك أسبابها البنيوية.
القراءة العربية: براغماتية حذرة وشك مشروع
من المنظور العربي، لا يمكن التعامل مع “مجلس السلام” بمنطق الرفض المطلق ولا القبول الساذج. فالمجلس يعكس واقعاً دولياً جديداً، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر إعادة إنتاج الهيمنة بصيغ أكثر مرونة وأقل كلفة سياسية. التحدي الحقيقي يكمن في قدرة الدول العربية على التعامل مع المجلس كأداة تفاوض لا كمرجعية بديلة عن القانون الدولي.
في الحالة الفلسطينية، تتضاعف هذه الإشكالية. فإعادة الإعمار قد تتحول بسهولة إلى وسيلة لفرض وقائع سياسية جديدة، إذا لم تُربط بمسار واضح للحقوق والسيادة. وهنا، يصبح السؤال: هل يقدّم مجلس السلام فرصة لتدويل الحل، أم مدخلاً لتصفية القضية تحت عنوان الاستقرار؟
سلام يُدار أم نظام يُستبدل؟
إن “مجلس السلام” ليس تفصيلاً عابراً في المشهد الدولي، بل مؤشر على مرحلة تتراجع فيها المرجعيات التقليدية، ويُعاد فيها تعريف مفاهيم أساسية مثل الشرعية والسيادة والسلام. قد ينجح المجلس في فرض تسويات سريعة في بعض الملفات، وقد يفشل أمام تعقيدات أزمات أخرى، لكن المؤكد أنه يعكس فراغاً دولياً حقيقياً لم يعد من الممكن تجاهله.
الخطر الأكبر لا يكمن في وجود مجلس جديد بحد ذاته، بل في أن يتحول السلام إلى شعار يُستخدم لتبرير تجاوز القانون الدولي، وأن تُدار الصراعات بعيداً عن أي مساءلة حقيقية. وفي عالم تتآكل فيه الثقة بالمؤسسات، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام محاولة لإعادة هندسة النظام الدولي، أم أمام اعتراف صريح بأن النظام القديم لم يعد قادراً على إنتاج السلام، ولا حتى على ادعائه؟















