بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

صدمة مناخية

تحذيرات “جيه بي مورغان”: مزيج “النينيو” والطاقة يشعل موجة تضخم عالمية جديدة من بوابة الغذاء

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

تتزايد المخاوف من أن يكون العالم على أعتاب موجة تضخمية جديدة، لكن هذه المرة بدوافع تختلف عن تلك التي أعقبت جائحة “كورونا” أو الحرب الأوكرانية الروسية. فبدلاً من اختناقات سلاسل الإمداد أو اضطرابات التجارة، يبرز مزيج معقد يجمع بين صدمة مناخية محتملة وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما قد يعيد إشعال التضخم العالمي في وقت كانت فيه البنوك المركزية تراهن على انحساره تدريجياً.

هذا السيناريو حذّر منه بنك “جيه بي مورغان” في أحدث تقاريره، معتبراً أن تزامن ظاهرة “النينيو” المناخية مع استمرار أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة قد يرفع معدل التضخم العالمي خلال العام المقبل بنحو 0.3 نقطة مئوية، ويبطئ وتيرة التراجع التي كانت الأسواق تراهن عليها، ويؤخر المسار المتوقع لعودة الأسعار إلى مستويات أكثر استقراراً، بينما ستكون الاقتصادات الناشئة الأكثر تضرراً نتيجة اعتمادها الكبير على الغذاء والزراعة.

تترافق هذه التحذيرات مع استمرار حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية عقب التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إذ لا تزال البنوك المركزية الكبرى، وفي مقدمتها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، تراقب بحذر مسار التضخم قبل اتخاذ قرارات جديدة بشأن أسعار الفائدة.

“النينيو”.. ظاهرة مناخية ذات أثر اقتصادي عالمي

بحسب تقرير البنك، فإن احتمالات تطور ظاهرة “النينيو” الحالية إلى موجة “قوية جداً” أو “فائقة” بحلول نهاية العام ارتفعت إلى نحو 81%، بينما تبلغ احتمالات استمرارها خلال العام المقبل نحو 97%، وهو ما يضع الاقتصاد العالمي أمام واحدة من أقوى الظواهر المناخية التي شهدتها العقود الأخيرة.

وتتمثل خطورة “النينيو” في أنها لا تؤثر على درجات الحرارة فحسب، بل تمتد آثارها إلى أنماط الأمطار والجفاف والفيضانات في مناطق إنتاج الغذاء الرئيسية حول العالم، وهو ما يؤدي إلى تراجع المحاصيل الزراعية، واضطراب إنتاج السلع الغذائية، وارتفاع تكاليف النقل والإمداد، لتنتقل الضغوط سريعاً إلى أسعار المستهلكين.

تاريخياً، ارتبطت موجات “النينيو” القوية بارتفاعات ملحوظة في أسعار السلع الزراعية الأساسية مثل الأرز والقمح والذرة والسكر والبن، نتيجة تراجع الإنتاج في عدد من أكبر الدول المصدرة، وهو ما يجعل الأسواق العالمية أكثر حساسية لأي اضطرابات مناخية واسعة النطاق.

الغذاء في قلب موجة التضخم الجديدة

يرى “جيه بي مورغان” أن تأثير “النينيو” لن يقتصر على اضطراب الإنتاج الزراعي، بل سيظهر بصورة مباشرة في معدلات تضخم الغذاء العالمية. ويقدّر البنك أن هذه الظاهرة المناخية الفائقة وحدها قد ترفع تضخم أسعار الغذاء بنحو 0.7 نقطة مئوية عند ذروة تأثيرها، أي إلى نحو 5% على أساس سنوي خلال النصف الأول من عام 2027، والتي تظهر عادة بعد فترة تتراوح بين أربعة وثمانية أشهر من بداية الصدمة المناخية.

العامل الثاني الذي يمنح هذه التوقعات أهمية خاصة يتمثل في استمرار ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية، والتي انعكست على أسعار النفط ومشتقاته، ولا سيما وقود الديزل المستخدم على نطاق واسع في الأنشطة الزراعية والنقل.

الزراعة الحديثة تعتمد بصورة كبيرة على الطاقة في تشغيل الآليات الزراعية، وضخ المياه، ونقل المحاصيل، وتصنيع الأسمدة الكيماوية، فضلاً عن عمليات التعبئة والتغليف والتبريد، ما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط ينتقل سريعاً إلى أسعار الغذاء.

وتشير تقديرات البنك إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة لا يضيف فقط ضغوطاً مباشرة على الإنتاج، بل يزيد أيضاً من تكاليف الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يوسع نطاق انتقال التضخم من قطاع الطاقة إلى بقية القطاعات الاقتصادية، في ظاهرة تعرف اقتصادياً بـ”التضخم العابر للقطاعات”.

الأسواق الناشئة في دائرة الخطر

يتوقع التقرير أن تتحمل الاقتصادات الناشئة العبء الأكبر من هذه التطورات، نظراً لأن الغذاء يشكل نسبة مرتفعة من إنفاق الأسر مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، كما أن قطاعاتها الزراعية أكثر تعرضاً للتقلبات المناخية.

ولهذا، صنّف البنك الهند وإندونيسيا والبرازيل وكولومبيا ضمن أكثر الدول عرضة للتأثر، بينما تبدو اقتصادات آسيوية مثل تايوان وكوريا الجنوبية معرضة أيضاً لصدمات أسعار الغذاء، رغم اعتمادها بدرجة أكبر على الواردات مقارنة بالإنتاج المحلي.

أما في أوروبا والاقتصادات المتقدمة الأخرى، فمن المرجح أن يكون تأثير “النينيو” المباشر أقل حدة، ليس بسبب غياب التأثير المناخي، وإنما لأن ارتفاع تكاليف الطاقة سيظل المحرك الرئيسي لزيادة أسعار الغذاء، في ظل الوزن النسبي الأقل للمواد الغذائية داخل سلة المستهلك مقارنة بالأسواق الناشئة.

عوامل تخفف حدة السيناريو

رغم هذه التوقعات، لا يرى “جيه بي مورغان” أن العالم يتجه بالضرورة إلى أزمة غذاء مماثلة لما حدث في السنوات الماضية. فالبنك يشير إلى وجود عدة عوامل قد تحد من حجم الصدمة، أبرزها توافر مخزونات عالمية جيدة من الحبوب، وتحسن مستويات مخزون الأرز في آسيا، إضافة إلى أن تضخم أسعار الغذاء لا يزال عند مستويات منخفضة نسبياً مقارنة بالفترة التي أعقبت جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.

كما أن العديد من الحكومات باتت تمتلك خبرة أكبر في التعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد، سواء عبر تنويع مصادر الاستيراد أو زيادة الاحتياطيات الاستراتيجية من السلع الأساسية، وهو ما قد يحد من انتقال الصدمات إلى المستهلك النهائي بالسرعة نفسها التي شهدها العالم في الأعوام السابقة.

في المحصلة، لا تكمن خطورة السيناريو الذي يطرحه بنك “جيه بي مورغان” في توقع ارتفاع محدود للتضخم فحسب، بل في طبيعة العوامل التي قد تدفعه إلى الصعود مجدداً. فحين تتداخل الصدمات المناخية مع اضطرابات الطاقة، يصبح التضخم أقل استجابة لأدوات السياسة النقدية التقليدية، وأكثر ارتباطاً بعوامل يصعب على البنوك المركزية السيطرة عليها. 

وبينما لا تزال الأسواق تأمل في اقتراب نهاية دورة التشديد النقدي، قد تفرض الأشهر المقبلة واقعاً مختلفاً، يعيد التضخم إلى صدارة المخاطر الاقتصادية العالمية، ويجبر صناع القرار على الموازنة مجدداً بين حماية النمو وكبح ارتفاع الأسعار، في بيئة تزداد فيها تأثيرات المناخ والجغرافيا السياسية على الاقتصاد العالمي.