بسقوط مدينة الفاشر بيد قوات «الدعم السريع»، اكتملت سيطرة هذه القوات على إقليم دارفور، في تحول مفصلي يعيد رسم خريطة الصراع السوداني. هذا التطور لا يعني هزيمة ميدانية للجيش فحسب، بل يفتح الباب أمام واقع سياسي وأمني جديد، تتعزز فيه قدرة «الدعم السريع» على فرض شروطه، فيما يتراجع نفوذ الدولة المركزية إلى أدنى مستوياته.
مع انتقال المعارك إلى كردفان ومحاصرة مدينة الأبيض، يتزايد الخوف من انهيار الغرب السوداني بالكامل وظهور معالم «تقسيم فعلي» للدولة، بما يعيد إنتاج سيناريوهات الانفصال ويضع السودان على أعتاب مرحلة جيوسياسية شديدة الخطورة.
السيطرة على دارفور تقوّي الموقف التفاوضي لقوات الدعم السريع وتجعله لاعباً إقليمياً فاعلاً، بينما تُمثل هزيمة عسكرية كبيرة للجيش، وتُحيد الحركات الدارفورية المتحالفة معه.
مكّنت السيطرة على دارفور “الدعم السريع” من التقدم في إقليم كردفان المجاور، حيث باتت تسيطر على نصف مناطقه وتحاصر مدينة الأبيض، أهم مدنه. وفي حال سقوط الأبيض، يعني ذلك سقوط الجزء الغربي بالكامل (دارفور وكردفان)، الذي تبلغ مساحته 870 ألف كيلومتر مربع، أي نحو نصف مساحة السودان.
يشير هذا الواقع الميداني إلى خطر التقسيم الفعلي، الذي قد يُعيد للأذهان سيناريو انفصال الجنوب عام 2011. ويُعقد سقوط الغرب المشهد، مُفضياً إلى واقع تفاوضي جديد قد يقود إلى شكل من أشكال الاتحاد أو الكونفدرالية. ويرى السفير السابق عادل شرفي أن التغيرات على الأرض قد تشجع المجتمع الدولي على التعامل مع “تحالف التأسيس” الذي يضم “الدعم السريع”.
تبعات لوجستية واقتصادية
تتيح السيطرة على غرب السودان لـ “الدعم السريع” تأمين الإمدادات العسكرية واللوجستية بسهولة أكبر، وتطوير ترسانتها العسكرية بالاستفادة من قدرتها على تشغيل مطارات الإقليم ومنافذه الخارجية، بحسب الباحث في الشؤون العسكرية محمد نور.
كما تفاقم هذه التطورات من الأثر الكارثي للواقع الجديد على الاقتصاد السوداني، حيث يُشكل الإقليم أكثر من ربع اقتصاد البلاد وبوابة تجارية حيوية لأربع دول إفريقية.
تُركز خطورة الوضع الاقتصادي على التالي:
الثروة الحيوانية: يضم غرب السودان (80% من إجمالي الثروة الحيوانية في السودان والمُقدرة بـ 105 ملايين رأس ماشية).
الصمغ العربي: يُنتج 90% من إنتاج الصمغ العربي، الذي يستحوذ السودان على 80% من صادراته العالمية.
الموارد المعدنية: يزخر بمخزون هائل من الذهب، الحديد، اليورانيوم، والنحاس.
نظام مزدوج
وفقاً للخبير الاقتصادي عمر سيد أحمد، فإن استمرار خروج دارفور عن سيطرة سلطة بورتسودان سيؤدي إلى تشكّل اقتصادين منفصلين داخل البلد الواحد، وانهيار كبير في الحصائل الرسمية للصادر، وضعف قدرة الدولة على إدارة العملة.
يُشير سيد أحمد إلى أن هذا الوضع يفتح الباب أمام تشكل اقتصاد موازٍ خارج سيطرة الحكومة المركزية، مع فقدان الدولة لمصادر رئيسية للعملات الصعبة (الذهب، الثروة الحيوانية، الصمغ العربي)، وتحوّل طرق التجارة نحو دول الجوار بدلاً من بورتسودان. وهو يحذر من ازدواجية في النظام المالي، على غرار الحالة اليمنية، حيث سيبرز نظام دفع مستقل وضرائب محلية.
أزمة طوارئ مركبة
يواجه الإقليم تحديات إنسانية كبيرة، رغم توقف أصوات البنادق في معظمه. فقد دفعت المأساة الإنسانية أكثر من 7 ملايين من سكانه البالغ عددهم نحو 15 مليونًا إلى النزوح.
يُعاني السكان من نقص حاد في الكهرباء والمياه والخدمات العلاجية، وارتفاع كبير في الأسعار. ويصف الدكتور صلاح الأمين، مستشار العمل الإنساني، الأزمة بأنها “أزمة طوارئ إنسانية مركبة” ناتجة عن تواتر الحروب والكوارث، محذرًا من أن الأحداث باتت متقدمة كثيراً على تدخلات منظمات العمل الإنساني.
الجدير بالذكر أن إقليم دارفور يستحوذ على ربع مساحة السودان، ويشكل نحو 17% من سكانه وأكثر من 25% من موارده الاقتصادية، وله حدود مشتركة مع أربع دول إفريقية (تشاد، ليبيا، إفريقيا الوسطى، وجنوب السودان).















