في التاسيلي، حيث تنحت الرياح الجبال كما ينحت الزمن الذاكرة، لا تولد الأشياء من المصانع، بل من صبر الإنسان وحواره الطويل مع الطبيعة. هناك، في قلب الصحراء الكبرى، استطاع الإيموهاغ، وهم أمازيغ الصحراء الذين يعرفهم العالم باسم التوارق، أن يحولوا أكثر المواد بساطة إلى عالم كامل من الجمال والمنفعة.
لم تكن الجلود بالنسبة إلى سكان الصحراء الكبرى مجرد بقايا حيوان، وإنما مادة حية تستعيد وجودها في هيئة خيمة تقي العابرين، أو قربة تحفظ الماء، أو سرج يحمل المسافر، أو قارورة تصون الزبدة والسمن من حر الشمس اللاهب. إنها حرفة لا تحكي تاريخ صناعة فحسب، بل تروي فلسفة شعب آمن بأن البقاء في الصحراء لا يتحقق بالقوة وحدها، وإنما بالخيال أيضاً.
الجلد: رفيق الإنسان في الصحراء
لا يعرف الإيموهاغ الجلد بوصفه مادة خاماً فحسب، وإنما بوصفه رفيقاً للإنسان منذ لحظة ولادته حتى نهاية رحلته في الحياة. ففي مجتمع عاش قروناً على الترحال بين الكثبان والوديان الصخرية، لم يكن بالإمكان الفصل بين الثقافة اليومية والطبيعة. وكل ما تمنحه الصحراء كان يجد طريقه إلى حياة الناس، فيتحول بفضل المهارة والصبر إلى أدوات تحفظ الحياة نفسها.
وهكذا، أصبحت الصناعات الجلدية إحدى أهم ركائز الحضارة المادية لسكان التاسيلي والهقار. فمن جلود الأبقار والإبل والماعز، صنعوا السروج التي تحمل القوافل، والأحذية التي تتحدى الرمال الملتهبة، والخيام التي تقاوم رياح الصحراء، والوسائد المزخرفة، والأحزمة، وأغماد السيوف، والقِرب، والأواني التي ترافق الأسرة في حلها وترحالها. ولم يكن شيء يضيع؛ فلكل جزء من الجلد وظيفة، ولكل سماكة استعمال، وكأن هذه الحرفة الضاربة في القِدم درس في الاقتصاد البيئي قبل أن يظهر هذا المصطلح بقرون.
رحلة الجلد من الطبيعة إلى الحرفة
وتبدأ الحكاية منذ لحظة الحصول على الجلد. فبعد تنظيفه من الشوائب، يخضع لعمليات دباغة تقليدية تعتمد على النباتات الصحراوية الغنية بالمواد القابضة، بعيداً عن المواد الكيميائية الحديثة. ثم يترك ليجف تحت شمس الصحراء، قبل أن تبدأ رحلة القص والخياطة والتشكيل. وكانت هذه المعرفة تنتقل جيلاً بعد جيل، لا عبر الكتب، وإنما عبر الأيدي، حيث تتعلم البنات من الأمهات، ويتلقى الأبناء أسرار الحرفة من الآباء، حتى أصبحت كل قطعة جلد تحمل في ثناياها ذاكرة عائلة كاملة.
وكانت المرأة الإيموهاغية هي القلب النابض لهذه الصناعة. فهي التي تتولى في الغالب تنظيف الجلود ودباغتها وخياطتها وتزيينها بالنقوش الهندسية الأمازيغية، تلك الزخارف التي لا تؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل تختزن أيضاً رموزاً ثقافية مرتبطة بالهوية والانتماء والذاكرة الجماعية. أما الرجال، فيتخصصون غالباً في صناعة السروج وبعض الأدوات المرتبطة بالفروسية والقوافل.
ومن بين الكنوز التي أبدعتها هذه الصناعة، تبرز القارورة الجلدية، أو “تاهتينت” في لغة التماهق، باعتبارها واحدة من أروع الشواهد على عبقرية الإنسان الصحراوي في تطويع الطبيعة.
الـتاهتينت.. عبقرية الوعاء الصحراوي
للوهلة الأولى تبدو الـ”تاهتينت” مجرد وعاء جلدي بسيط، لكنها في الحقيقة خلاصة قرون من التجربة. فقد صممت خصيصاً لحفظ الزبدة والسمن والمواد الدهنية خلال الرحلات الطويلة، في بيئة تتجاوز فيها درجات الحرارة حدود الاحتمال.
وتُصنع الـ”تاهتينت” بنموذجين مختلفين، يحدّد نوع الجلد خصائص كل منهما. فالنوع الأول يصنع من جلد البقر، وهو الأكثر متانة وصلابة. ويتطلب إنجازه خياطة عدة طبقات من الجلد بعناية فائقة، ثم تغلق الثقوب الناتجة عن الخياطة بمعجون مصنوع من التمر، يمنع تسرب السوائل ويزيد من إحكام الوعاء. أما غطاؤها، فيصنع من قطعة خشبية تغلَّف بالجلد، لتصبح القارورة وحدة متكاملة تجمع بين القوة والبساطة.
أما النموذج الثاني، فيصنع من جلد الجمل، ويختلف تماماً في تقنيته. فلا يحتاج إلى خياطة تقريباً، إذ يستعمل الجلد قطعة واحدة. وبعد ترطيبه بالماء، يُملأ بالرمل حتى ينتفخ، ثم يربط عنقه حول عصا غليظة، ويغمر داخل الماء عدة أيام. وخلال هذه المدة، يتشكل الجلد تدريجياً وفق الهيئة المطلوبة، قبل أن تُفرغ الرمال من داخله ويُترك ليجف تحت الشمس، فيتحول إلى قارورة خفيفة الوزن، سهلة الحمل، وإن كانت أقل عمراً من نظيرتها المصنوعة من جلد البقر.
الجلد.. ذاكرة الصحراء الحية
هذه التقنية تبدو اليوم أقرب إلى فن النحت منها إلى الصناعة، وتعكس معرفة دقيقة بخصائص كل نوع من الجلود، وبكيفية استثمار مرونته أو صلابته وفقا للحاجة. ولم تكن الـ”تاهتينت” سوى واحدة من عشرات الابتكارات التي ولدت في حضن الصحراء. فقد كانت القوافل التي تعبر التاسيلي تحمل معها هذه المصنوعات إلى واحات شمال إفريقيا أو إلى بلاد الساحل جنوباً، لتتحول إلى سلع مطلوبة في التجارة العابرة للصحراء. وهكذا، خرجت الصناعات الجلدية من حدود الاستعمال المحلي، لتصبح جزءاً من اقتصاد القوافل، ومن الجسور الثقافية التي ربطت بين ضفتي الصحراء لقرون طويلة.
غير أن هذه الحرفة بدأت تنكمش مع انتشار المنتجات الصناعية والبلاستيكية، وتراجع نمط حياة الترحال، واختفاء كثير من الورشات التقليدية. ومع ذلك، ما تزال بعض العائلات في التاسيلي والهقار تحافظ على هذه المعرفة، لا باعتبارها مورداً اقتصادياً فحسب، بل لأنها جزء من هوية لا يمكن استبدالها أو التفريط فيها.
تراث يسكن التفاصيل
الجلد، في ثقافة الإيموهاغ، ليس مادة جامدة، وإنما ذاكرة قابلة للمس. وكل غرزة فيه تختزن حكاية، وكل زخرفة تحمل أثراً من روح الصحراء، وكل قربة أو سرج أو تاهتينت تروي سيرة أناس تعلموا أن يصنعوا من الندرة وفرة، ومن القسوة جمالاً، ومن أبسط المواد لغة حضارية كاملة.
وهكذا، تبدو الصناعات الجلدية عند أمازيغ التاسيلي أكثر من مجرد تراث حرفي. إنها مرآة لعلاقة إنسانية استثنائية مع المكان، وشهادة على أن الحضارات لا تقاس بما تبنيه من مدن، بقدر ما تقاس بما تبتكره من وسائل تجعل الحياة ممكنة في أكثر البيئات صعوبة. ففي صمت الصحراء، ما تزال الجلود القديمة تهمس بقصة شعب كتب تاريخه بالإبرة والخيط، وترك على صفحات الرمال واحدة من أجمل حكايات الإبداع الإنساني.















