بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إرهاب معاصر (2-8)

تآكل الدولة وصعود العنف المنظّم: كيف أعادت حروب الشرق الأوسط تشكيل خريطة الجماعات المسلحة؟

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يعكس المشهد الإقليمي في الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين علاقة وثيقة بين تراجع الدولة أو تآكل سلطتها، وبين تصاعد أنماط العنف المنظم. فحين تفقد الدولة قدرتها على احتكار استخدام القوة، وتتراجع فاعلية مؤسساتها، تتشكّل فراغات أمنية وسياسية تتحول سريعاً إلى بيئات مواتية لنمو الجماعات المسلحة وتغلغلها في النسيج الاجتماعي.

لقد أسهم ضعف التنسيق الأمني في هذه المنطقة، وتدهور الخدمات العامة، واحتدام الصراع على السلطة بين قوى سياسية وطائفية متنافسة، في إنتاج واقع مضطرب سهّل تمدد هذه الجماعات، ومنحها قدرة على الاستقطاب والتموضع داخل المجتمعات المحلية.

الحروب الأهلية.. لحظة انهيار الدولة

تُمثّل الحرب الأهلية في سوريا، التي اندلعت عام 2011، نموذجاً صارخاً لانهيار الدولة وتداعياته الأمنية والإنسانية. فقد أدى الصراع إلى نزوح ملايين المدنيين، ودمار واسع للبنية التحتية، وانقسام السيطرة الجغرافية بين أطراف متعددة. وفي ظل هذا التفكك، تمكنت جماعات مسلحة، وفي مقدمتها تنظيم الدولة الإسلامية، من بسط نفوذها على مساحات واسعة، وفرض أنماط حكم موازية، وبناء شبكات مالية وإعلامية معقدة، مستفيدة من غياب السلطة المركزية. وعلى الرغم من تراجع سيطرتها المكانية بحلول أواخر 2017، فإن هذه الجماعات لا تزال حيّة، بل وأعادت تنظيم نفسها ضمن أشكال أكثر مرونة وأقل ظهوراً. 

العراق: الانقسامات الطائفية وهشاشة ما بعد الصراع

في العراق، كشفت مرحلة ما بعد الانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية عام 2011 عن هشاشة التوازنات الداخلية. فقد عادت الانقسامات الطائفية إلى الواجهة، بالتوازي مع ضعف المؤسسات الأمنية، ما أفسح المجال أمام عودة تنظيمات متفرعة عن القاعدة، ثم صعود تنظيم الدولة لاحقاً، والذي استغل هذا التنظيم حالة التهميش السياسي والفوضى الأمنية لتحقيق أهدافه الأيديولوجية والسياسية. ورغم الحملات العسكرية الواسعة، لا يزال العنف المتقطع ونشاط الخلايا النائمة يشكلان تهديداً قائماً للاستقرار.

 اليمن: صراع محلي بتداعيات إقليمية

في اليمن، أوجد الصراع المسلح بين الحكومة المعترف بها دولياً وجماعة الحوثيين، في ظل تدخلات إقليمية متشابكة، بيئة خصبة لاستغلال الفراغات الأمنية والاقتصادية. فقد أضعفت الحرب الممتدة مؤسسات الدولة، ووسّعت رقعة الفقر، وفتحت المجال أمام جماعات مسلحة لاستثمار الوضع، سواء عبر السيطرة على مناطق نائية أو من خلال تهديد الملاحة في البحر الأحمر، ما منح الصراع أبعاداً إقليمية ودولية تتجاوز الإطار الوطني.

مع بداية القرن الحادي والعشرين، سيطرت التنظيمات ذات البنية الهرمية، وفي مقدمتها القاعدة، على مشهد العنف المسلح. غير أن الضربات العسكرية والتحولات الأمنية، خصوصاً بعد عام 2014، دفعت هذه الجماعات إلى إعادة هيكلة أنماطها التنظيمية. ومع خسارة السيطرة المكانية، جرى الانتقال إلى نماذج لامركزية تعتمد على خلايا صغيرة أو أفراد يعملون باستقلالية نسبية، مستلهمين خطاباً أيديولوجياً عاماً من دون ارتباط مباشر بقيادة مركزية.

أكسبت هذه اللامركزية الجماعات المسلحة قدرة أعلى على الصمود والتكيف، وجعلت تفكيكها عبر الوسائل العسكرية التقليدية أكثر تعقيداً. كما وسّعت نطاق عملياتها ليشمل دولاً خارج بؤر النزاع الأساسية، ما رفع مستوى التهديد وتعقيده.

عنف خارج ساحات النزاع

لم تقتصر تداعيات هذا العنف على الدول المنخرطة في حروب مفتوحة، بل امتدت إلى دول عربية تتمتع بهياكل دولة أكثر تماسكاً. ففي مصر، ولا سيما في شبه جزيرة سيناء، شهدت مرحلة ما بعد 2013 تصاعداً في هجمات الجماعات المتطرفة، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية المعقدة والتحديات الأمنية. وعلى الرغم من تراجع قدراتها بفعل العمليات الأمنية، فإن التهديد لم يختفِ بالكامل، بل تحوّل إلى نمط أقل كثافة وأكثر انتقائية.

وفي دول المغرب العربي، واجهت تونس والجزائر تحديات مماثلة، حيث نفّذت جماعات مرتبطة بشبكات عابرة للحدود عمليات استهدفت قوات الأمن والسياح والمواقع الرمزية. ولم تكن هذه العمليات معزولة عن السياق الإقليمي، بل ارتبطت بامتدادات فكرية وتنظيمية قادمة من مناطق نزاع أخرى، ما سلط الضوء على هشاشة الحدود وأهمية التنسيق الأمني الإقليمي.

حتى دول مجلس التعاون الخليجي، رغم مستويات الاستقرار المرتفعة، لم تكن بمنأى عن هذا الخطر. فقد سُجلت محاولات هجوم وعمليات فردية استلهم منفذوها خطاباً متطرفاً عبر الفضاء الرقمي. ورغم محدودية هذه الحالات، فإنها عكست تحوّلاً في آليات التهديد، حيث بات التحريض الأيديولوجي الرقمي أكثر تأثيراً من البنية التنظيمية التقليدية.

أما الأردن ولبنان، فقد مثّلت حدودهما المتاخمة لمناطق النزاع عامل ضغط مستمر، سواء عبر تدفقات اللاجئين أو محاولات التسلل وبناء شبكات محلية. وبرز في البلدين خطر الخلايا النائمة والعمليات الفردية، خصوصاً في فترات التصعيد الإقليمي.

الحرب الرقمية واقتصاد الصراع

من أبرز التحولات في السنوات الأخيرة تصاعد الاعتماد على الفضاء الرقمي. فقد وفّرت المنصات الإلكترونية للجماعات المسلحة أدوات فعالة للوصول إلى فئات واسعة من الشباب، لا سيما المهمشين اجتماعياً واقتصادياً، وترويج خطاب تعبوي عابر للحدود. هذا الشكل من “التطرف عن بُعد” عقّد مهمة الأجهزة الأمنية، وخلق نمطاً جديداً من التهديد يتمثل في الأفراد الذين ينفذون أعمال عنف من دون ارتباط تنظيمي مباشر.

في المقابل، استغلت هذه الجماعات اقتصاد الصراع عبر السيطرة على موارد طبيعية، وتهريب النفط، وتوظيف شبكات تمويل غير مشروعة، الأمر الذي وفّر لها مصادر دعم مستدامة. كما أسهمت معدلات الفقر والبطالة وغياب الفرص التعليمية في تعزيز قابلية التجنيد، حيث وجد بعض الشباب في هذه التنظيمات بديلاً يمنحهم شعوراً بالانتماء والتمكين. 

في غضون ذلك، أسهمت التدخلات الإقليمية والدولية في تعقيد المشهد، وأدت إلى إطالة أمد الصراعات وتعميق الانقسامات. ففي سوريا والعراق واليمن، تداخلت مصالح قوى كبرى وإقليمية، ما أتاح للجماعات المسلحة استغلال هذا التشابك لتعزيز خطابها المعادي للتدخلات الخارجية، وتقديم نفسها كقوى “مقاومة”، على الرغم من الطابع العنيف لممارساتها.

الشرق الأوسط بيئة خصبة للعنف

يبقى الشرق الأوسط بيئة مواتية لاستمرار العنف المنظم، ليس نتيجة عامل منفرد، بل بسبب تفاعل معقّد بين الضعف الحكومي، والصراعات الإقليمية، والتحولات الرقمية، ناهيك عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ومواجهة هذا التحدي تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول الأمنية الضيقة، وتدمج بين الأمن والتنمية والإصلاح السياسي والتعليم، بوصفها ركائز مترابطة لضمان استقرار طويل الأمد في المنطقة.