بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

بين نموذج طالبان وأطماع الإخوان.. معركة النفوذ تتجدد في منطقة غرب إفريقيا

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

تشهد منطقة الساحل، خصوصاً مالي، تصاعداً غير مسبوق في نفوذ تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين المرتبط بالقاعدة، الذي بدأ يتحوّل تدريجياً إلى كيان سياسي محلي على غرار تجربة طالبان في أفغانستان. بعد انسحاب القوات الدولية عام 2023، وانكفاء الأنظمة الانقلابية الهشّة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وسّع التنظيم سيطرته على شمال البلاد ووسطها وغربها، فارضاً قوانين محلية لتطبيق الشريعة، ومستفيداً من سقوط الثقة بالحكومة العسكرية وعجزها عن حماية المدنيين أو استعادة المناطق الريفية.

يبدو أن الصمت والمُراقبة لم يعودا سيديّ الموقف في منطقة الساحل، خصوصاً في مالي، بعد أن بات تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين (القاعدة في الساحل) يُبلور وجوده في شكل تنظيم سياسي، على النحو الذي كانت عليه حركة طالبان الأفغانية، التي شهدت تطور التنظيم والمليشيا لتفرض نفسها بعد ذلك لاعباً سياسياً لا يُستهان به.

أدّت تطورات الشرق الأوسط إلى تحريك المياه الراكدة في الساحل، بعد تصفية قادة التنظيمات الإرهابية، منذ بن لادن والظواهري، وصولاً إلى أبوبكر البغدادي، حيث بات التنظيم الدموي الأشهر بلا رأس ولا أرض. هذا الوضع، الذي عزّزه سقوط نظام الأسد، دفع بهيئة تحرير الشام إلى المشهد السياسي بعد أن كانت تصنف تنظيماً إرهابياً.

واتسعت هذه التطورات، فضلاً عن الأزمات المتلاحقة في الساحل، إلى الدفع بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وقائدها إياد أغ غالي، إلى المُضي قُدماً في تدعيم وجودها في المنطقة، مُستغلة رحيل القوات الدولية عنها، التي تركت المنطقة في أيدي حكومات انقلابية هشّة وفاسدة وغير قادرة على مواجهة الإرهاب المتنامي.

ومنذ رحيل آخر جندي أُممي نهاية العام 2023، اعتقدت حكومات كل من النيجر ومالي وبوركينافاسو، أن مهمتها ستكون سهلة في مواجهة الإرهاب، لكن ما حدث هو عكس ذلك، خاصة بعد إغلاق النيجر للقواعد الأمريكية التي كانت تراقب تحركات الجماعات المسلحة في المنطقة.

استغلال النفوذ الواسع في مالي

خلال العام المنصرم، وحتى اليوم، استغل قائد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إياد أغ غالي، نفوذه الواسع في مالي، ليشنّ بالتنسيق مع جماعات “ماسينا” هجمات قوية على القوات المالية المدعومة من مليشيات “فاغنر” الروسية سابقاً، ومن الفيلق الإفريقي الروسي لاحقاً.

وبالإضافة إلى سيطرة غالي الواسعة على المناطق الشمالية من أزواد، حيث يتقاسم النفوذ هناك مع مسلحي جبهة التحرير، قاد أنصاره من “قبائل الفلان” في جبهة “ماسينا” حملة عسكرية في الجنوب، امتدت حتى العاصمة باماكو، في واحدة من أعنف العمليات منذ تنفيذهم أكبر هجوم مسلح على مطارها في سبتمبر/أيلول من العام الماضي.

وبحسب التقارير، سيطر تنظيم القاعدة وجبهة “ماسينا” على مُعظم التراب المالي شمالاً وجنوباً وغرباً. وذلك بعد أن أخضعا، كرهاً أو طوعاً، عدداً من المناطق التي قدمت البيعة لهما بهدف حمايتهم من تنظيم الدولة (داعش) الذي أنزل بالمدنيين بطشاً غير مسبوق، أو من الجيش المالي الذي يقتل بدوره سكان المناطق بدم بارد بحجة إيواء الإرهابيين.

كانت المنطقة الغربية باتجاه السنغال آخر الجغرافيا التي سيطرت عليها القاعدة، بعد أن عمدت إلى إغلاق الطرق الاقتصادية التي تُغذي العاصمة باماكو بالبضائع والوقود، لتضرب حصاراً غير مسبوق أدى إلى أزمة خانقة في البلاد، لا تزال مستمرة حتى كتابة هذه السطور.

فرض السيطرة الواسعة

في ظل انعدام إمكانيات حكومية حقيقية لمحاربة الإرهاب، بعد أن ركزت سلطات باماكو على حماية مناطق التعدين لاستخراج الذهب، بدأ تنظيما “داعش” و”ماسينا” في بسط سيطرة واسعة على البلدات والمناطق الريفية، فوليّا عليها أمراء، وسنّا القوانين لتطبيق الشريعة الإسلامية، بل وعمدا إلى تقديم نفسيهما بديلاً عن السلطة، من خلال قوانين أقل صرامة مع المدنيين لكسب ثقتهم.

أدت الأحداث السابقة، إلى تراجع الثقة بحكومة الرئيس الانقلابي عاصمي غويتا، بعد أن نكث بكل وعوده في انتقال مدني، ما أشعل غضباً كبيراً في البلاد، انتهى باعتقالات واسعة من صفوف الجيش والمعارضة، وكذلك من الإعلاميين والمؤثرين، بتهم الخيانة.

صوت مدني في المنفى

أدى التململ وحالة السُخط التي عَمّت مالي، إلى البحث عن مخرج للأزمة. فالتنظيمات المسلحة باتت تهدد وحدة البلاد وأمنها، والنظام القائم استفرد بالسلطة في الداخل، وأصبح في عُزلة عن المجتمع الدولي، ما حتّم على المعارضة الداخلية، المقموعة، البحث عن بديل يمكنه تحريك المياه الراكدة، وطرح حلول ربما تحظى بإجماع يُغير الوضع الراهن.

لم يكن الإمام محمود ديكو سوى الشخص المعني بهذه المرحلة الخطيرة، بعد أن دعت تنسيقيته إلى احتجاجات تُطالب بعودة الحكم المدني، مُستغلة تأثيره الكبير الذي أطاح بحكومات سابقة، قبل أن يتحول إلى مطلوب لدى السلطات العسكرية التي تخشى من عودته إلى المشهد.

يُقيم الإمام ديكو، أحد أبرز الشخصيات الدينية والسياسية في مالي، حالياً في الجزائر بعد تعرضه لتهديدات أمنية من المجلس العسكري. ورغم نفيه الطموح السياسي المباشر، إلا أن ديكو لا يزال يتمتع بتأييد شعبي واسع، لكن وجوده في الجزائر يمنحه هامشاً للحركة والتواصل مع المجتمع الدولي، وقد يصبح حجر الأساس في إعادة بناء جبهة مدنية موحدة، خاصة إذا قرر العودة أو دعم الحراك من الخارج.

يرى مراقبون في الداخل أن نفوذ ديكو، الذي يُمثّل في بلاده إسلامياً سنياً سلفياً، قد يجعل منه الحصان الرابح في أي تغيير قادم. فهو شخص منفتح على الحوار في بلد مُمزق، ولديه صلات سابقة مع قيادات الجماعات الجهادية، مثل إياد أغ غالي، وقريب من كل الأوساط.

بحسب محللين، فإن عودة ديكو يمكنها توحيد المعارضة الداخلية، لكن نُفوذه لن يجعل الأمور سهلة تجاه الجماعات المسلحة خاصة أنصار الإسلام (القاعدة)، التي يُصر زعيمها على “تطبيق الشريعة الإسلامية” ليكون جُزءاً من أي حل سياسي، فيما لا تعارض جبهة تحرير أزواد من أن تكون جزءاً من أي حل سياسي يكفل حقوقها التي ناضلت من أجلها.

الإخوان يراقبون ويشجعون

بمجرد ظهور أنباء عن إمكانية عودة الإمام ديكو المتواجد في الجزائر، بدأت تقارير صحافية ومنتديات في الإنترنت، تُشير إلى خطورة عودته في شكل “حزب إسلامي”، بعد رصد تقارير من منابر إعلامية لتنظيم الإخوان تدعو لعودته إلى مالي لقيادة حراك سياسي.

يبدو أن مالي لا تخشى تحوّل الإمام ديكو إلى تنظيم الإخوان، أو اتباع نهجه، بقدر خشيتها من التأثيرات الممتدة حول شخصه كقائد اجتماعي وصاحب تأثير وعلاقات واسعة في سائر إفريقيا الغربية، التي أصبحت ميداناً للتنظيم، وأرضاً جديدة لأتباعه بعد انحسارهم وحظرهم من الدول العربية. والمخاوف أيضاً قائمة حول ديكو، الذي يقود مريدين من مدارس دينية متأثرة بشدة بنهج “الإخوان” وطرحه، والذين بدأت أصوات بعضهم تتعالى، وتنادي بإنشاء تنظيم إسلامي وسياسي قوي ينقذ البلاد من أزماتها المتلاحقة.