يفرض الجدل المتصاعد حول زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى نيويورك واقعاً سياسياً جديداً داخل الولايات المتحدة، بعدما خرجت الزيارة من إطارها الدبلوماسي التقليدي لتتحول إلى اختبار مفتوح بين الحماية السياسية التي توفرها المؤسسات الفيدرالية، والضغوط المتصاعدة المطالبة بإخضاع المسؤولين الإسرائيليين لمعايير القانون الدولي.
تجسد هذا التحول بوضوح في مواقف عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، الذي أعلن حينها أن نتنياهو غير مرحب به في المدينة، ودعا الحكومة الفيدرالية إلى تنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية، على الرغم من إقراره بأن سلطات المدينة لا تملك الصلاحية القانونية المستقلة لتنفيذها.
سجال سياسي محلي
لم تعد هذه المواقف تمثل مجرد سجال سياسي محلي، بل عكست انتقال الخطاب المنتقد للسياسات الإسرائيلية من ساحات الاحتجاج والجامعات إلى أعلى هرم السلطة التنفيذية في أكبر مدينة أمريكية، في تحول يعكس تغيراً أعمق في طبيعة النقاش الأمريكي حول إسرائيل.
وتكتسبت الزيارة أهمية إضافية مع إعلان نتنياهو عزمه إلقاء كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول المقبل، ما يمنحها بعداً يتجاوز المشاركة في أعمال المنظمة الدولية إلى اختبار سياسي يجري في قلب مدينة تشهد واحدة من أسرع التحولات في المزاج السياسي الأمريكي تجاه إسرائيل.
المواجهة هذه المرة لا تدور فقط حول مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية أو حول إمكانية تنفيذها داخل الأراضي الأمريكية، بل حول مكانة إسرائيل داخل المجتمع الأمريكي نفسه، ومدى قدرة التحالف التاريخي بين واشنطن وتل أبيب على الصمود أمام التحولات الاجتماعية والسياسية التي تعيد رسم أولويات الرأي العام والنخب السياسية داخل الولايات المتحدة.
صعود الصوت التقدمي
لا يمكن قراءة موقف ممداني باعتباره مجرد مبادرة سياسية فردية أو خطاباً احتجاجياً عابراً، فهو يأتي ضمن مسار أوسع داخل الحزب الديمقراطي يشهد صعود تيار تقدمي أكثر استعداداً لمراجعة طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وربط الدعم الأمريكي بسلوك الحكومات الإسرائيلية في ملفات الحرب والقانون الدولي وحقوق الإنسان.
وخلال السنوات الأخيرة، انتقلت القضية الفلسطينية من كونها ملفاً محصوراً في دوائر السياسة الخارجية إلى قضية حاضرة في قلب النقاش السياسي الأمريكي الداخلي. فقد أصبحت الجامعات، والنقابات، والحركات الشبابية، والمجالس المحلية ساحات رئيسة لهذا الجدل، خصوصاً بعد الحرب في غزة وما رافقها من تصاعد الاحتجاجات والانتقادات.
ويتمثل التحول الأبرز في أن الخطاب المنتقد للسياسات الإسرائيلية لم يعد مقتصراً على الشارع أو منظمات المجتمع المدني، بل بدأ يجد طريقه إلى مواقع القرار المحلي عبر مسؤولين منتخبين يتبنون مواقف كانت تُعد سابقاً خارج نطاق النقاش السياسي السائد.
وتكمن أهمية حالة ممداني في أنها تعكس تغيراً في طبيعة الأسئلة التي يطرحها جزء متزايد من الناخبين الأمريكيين حول العلاقة مع إسرائيل، وليس فقط في الموقف السياسي لشخص واحد.
حدود المواجهة القانونية
على الرغم من الضجة السياسية التي أثارتها تصريحات ممداني، فإن تنفيذ مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024 داخل الولايات المتحدة يواجه معوقات قانونية وسياسية كبيرة.
فالولايات المتحدة ليست طرفاً في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي لا تلتزم قانونياً بتنفيذ أوامرها. كما أن إدارة السياسة الخارجية والعلاقات مع الحكومات الأجنبية تقع ضمن اختصاص الحكومة الفيدرالية، وليس السلطات المحلية في الولايات أو المدن.
واللافت أن ممداني أقر بهذه الحدود القانونية، مشيراً إلى أن إدارته راجعت الخيارات المتاحة وخلصت إلى عدم امتلاكها صلاحية مستقلة لتنفيذ مذكرة التوقيف، داعياً الحكومة الفيدرالية إلى إعادة النظر في موقفها من المحكمة الجنائية الدولية.
لكن القيمة الأساسية لهذا الموقف لا تكمن في احتمال تنفيذه، بل في أثره الرمزي والسياسي. فمجرد صدور مثل هذا الموقف عن مسؤول منتخب في مدينة بحجم نيويورك يحول مذكرة المحكمة الجنائية الدولية من وثيقة قانونية إلى أداة ضغط سياسي وإعلامي تلاحق المسؤولين الإسرائيليين في المحافل الدولية.
نيويورك ساحة التحول
تمنح خصوصية نيويورك هذا الجدل أبعاداً إضافية. فالمدينة تجمع بين كونها مركزاً اقتصادياً وإعلامياً عالمياً، واحتضانها واحدة من أكبر الجاليات اليهودية خارج إسرائيل، إضافة إلى تنوع ديموغرافي وسياسي يجعلها مرآة للتحولات الاجتماعية الأمريكية.
ولهذا، فإن ما يجري في نيويورك لا يعكس فقط موقف مدينة واحدة، بل يقدم صورة مصغّرة عن الصراع الأوسع داخل الولايات المتحدة حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل.
ومنذ اندلاع الحرب في غزة، تحولت الجامعات الأمريكية، وفي مقدمتها جامعة كولومبيا، إلى مراكز رئيسة للنقاش والاحتجاج حول السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. وانتقل هذا الحراك تدريجاً من ساحات التعليم إلى المجال السياسي، حيث بدأ يؤثر في مواقف المرشحين والمسؤولين، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة الشبابية.
وبذلك، فإن زيارة نتنياهو لن تجري في بيئة سياسية محايدة، بل في مدينة أصبحت تشهد تنافساً بين روايتين: الأولى ترى في التحالف مع إسرائيل ركناً ثابتاً في السياسة الأمريكية، والثانية تطالب بإعادة تعريف هذا التحالف وفق معايير مختلفة.
انقسام داخل الديمقراطيين
تضع قضية نتنياهو في نيويورك الضوء على انقسام أعمق داخل الحزب الديمقراطي بين مؤسسة سياسية تقليدية ما زالت تعتبر العلاقة مع إسرائيل جزءاً أساسياً من السياسة الخارجية الأمريكية، وبين تيار تقدمي يطالب بتغيير قواعد هذه العلاقة.
ولا يعني هذا الانقسام أن الولايات المتحدة بصدد التخلي عن تحالفها مع إسرائيل، فالاعتبارات الاستراتيجية والعسكرية والسياسية ما زالت قوية داخل واشنطن. لكن التحول يكمن في أن الإجماع الداخلي الذي أحاط بالعلاقة لعقود لم يعد بالصلابة نفسها.
كما تشير استطلاعات رأي حديثة إلى وجود تحول في نظرة شرائح واسعة من الأمريكيين، خصوصاً الشباب والديمقراطيين، تجاه الحرب في غزة والسياسات الإسرائيلية، ما يعكس اتساع الفجوة بين الموقف الرسمي الأمريكي التقليدي وبين جزء متزايد من الرأي العام.
فالأجيال الجديدة من الناخبين الديمقراطيين تنظر إلى قضايا الشرق الأوسط من خلال مفاهيم مختلفة تركز على حقوق الإنسان والمساءلة الدولية، وهو ما يجعل الملف الإسرائيلي-الفلسطيني يتحول تدريجاً إلى عامل مؤثر في الانتخابات المحلية والوطنية.
وهذا التطور يفرض على إسرائيل مواجهة نوع جديد من التحديات؛ فالحفاظ على الدعم الرسمي الأمريكي لم يعد كافياً إذا بدأت الفجوة تتسع بينها وبين قطاعات مؤثرة داخل المجتمع الأمريكي.
معركة الشرعية الجديدة
تضع الزيارة لنتنياهو إلى نيويورك إسرائيل أمام معركة تتجاوز حدود السياسة الخارجية التقليدية. فالتحدي لم يعد فقط في مواجهة خصومها في الشرق الأوسط، بل في الحفاظ على صورتها داخل أهم حليف استراتيجي لها.
وقد عبّر نتنياهو عن حدة هذه المواجهة عندما اتهم ممداني بتأجيج الكراهية والتحريض ضد الجالية اليهودية في نيويورك، مستخدماً خطاباً حاداً استحضر فيه أجواء الثلاثينيات، في مؤشر على أن الخلاف تجاوز حدود السياسة الخارجية إلى مواجهة داخلية حول الهوية السياسية والقيم الأمريكية.
حتى لو بقيت مذكرة المحكمة الجنائية الدولية عاجزة عن التحول إلى إجراء عملي داخل الولايات المتحدة، فإن تأثيرها السياسي سوف يستمر في إعادة تشكيل النقاش حول إسرائيل، خصوصاً عندما تتقاطع مع تحولات داخلية عميقة في المجتمع الأمريكي.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية تدخل مرحلة جديدة، لا تُقاس فقط بحجم المساعدات العسكرية أو قوة التحالفات الرسمية، بل بقدرة إسرائيل على الحفاظ على شرعيتها السياسية والأخلاقية داخل الرأي العام الأمريكي.
اختبار التحالف
تؤكد أزمة نتنياهو-ممداني أن معركة إسرائيل في الولايات المتحدة لم تعد تُدار فقط داخل البيت الأبيض أو الكونغرس، بل انتقلت إلى الجامعات، والبلديات، وصناديق الاقتراع، وصولاً إلى مكاتب المسؤولين المحليين في المدن الكبرى.
فالتحالف الأمريكي-الإسرائيلي لا يواجه اليوم أزمة دبلوماسية عابرة، وإنما اختباراً طويل الأمد يتعلق بقدرة الطرفين على التعامل مع جيل جديد من الأمريكيين يحمل رؤية مختلفة تجاه قضايا الحرب والقانون الدولي.
وفي هذه المعركة، قد لا يكون الخطر الأكبر على إسرائيل هو تنفيذ مذكرة توقيف في مدينة أمريكية، بل تحول فكرة مساءلة السياسات الإسرائيلية من خطاب هامشي إلى موقف سياسي تتبناه شخصيات منتخبة في قلب المؤسسة الأمريكية.
هذا التحول يمثل تغيراً استراتيجياً في البيئة التي طالما شكلت أحد أهم مصادر قوة إسرائيل الدولية، إذ تنتقل المعركة تدريجياً من ساحات الصراع العسكري والدبلوماسي إلى ساحة أكثر تعقيداً: معركة الرأي العام الأمريكي نفسه.















